فضاء الأستاذ

فضاء الأستاذ صفحة من الصفحات الإلكترونية لمدرسة الشريف الإدريسي بطنجة

27‏/02‏/2014

التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم

الأستاذ محمد الدريج:
1- تقديم : أسس وأهداف
نقترح في هذه الدراسة نموذجا تربويا أصيلا، يمكن أن يمنح نفساً جديداً للمنهاج التعليمي ببلادنا، وهو نموذج "التدريس بالملكات“ أو “بيداغوجيا الملكات”، والذي يهدف إلى :
-المساهمة في الإصلاح البيداغوجي لنظام التعليم ، وجعله قادرا على مواجهة مختلف الصعوبات والتحديات خاصة على المستوى المنهاجي – الديداكتيكي.
- تعميم تعليم مندمج و أصيل عالي الجودة، و تبني مبادئ و مفاهيم تربوية تراثية.
- ترسيخ لدى المتعلم الهوية التراثية-الأصيلة التي ترفض الاغتراب والاستلاب والتبعية بجميع أشكالها، وخلق الانسجام والتوازن بينها وبين الهوية المنفتحة التي تتميز بالحوار وبالتواصل المعرفي واستشراف المستقبل والانخراط في مسيرة الحضارة الكونية.
- توظيف مفاهيم وأدوات تدريسية متجددة مما يشجع في المنظومة التعليمية ،التفاعل بين الموروث الثقافي و التطورات و الكشوف التربوية المعاصرة ، وذلك بالعمل على :
- دراسة الممارسات والتجارب التربوية في تراثنا واختيار ما فيها من نماذج نافعة وتجديدها و إغنائها وتوظيفها.
- دراسة التجارب والنماذج التربوية العالمية وتقويمها والاستفادة منها.
-المساهمة في الانعتاق من النقل والتقليد ، وتفعيل شخصيتنا الأصيلة والمبدعة، سواء كأفراد أو جماعات و المساهمة بفعالية في تقويتها بالتربية البدنية والتربية الفكرية وبترسيخ الاتجاهات الايجابية المقبولة والقيم الأخلاقية وقيم المواطنة.
-إننا ندعو في سبيل الرقي بشخصيتنا وقدراتنا المبدعة ،من خلال هذا النموذج وغيره ،إلى “انتفاضة علمية” وإلى “ربيع تربوي” ، لفرض إصلاح شامل وعميق لوضعية البحث التربوي والعلمي في بلادنا (التطبيقي منه والأساسي) ، حيث تنشأ مبدئيا النماذج وتتبلور الحلول وتنضج النظريات.
- ورد الاعتبار للباحثين المحليين ولمخابر البحث الوطنية في الجامعات ومؤسسات التكوين العليا في القطاعين العام والخاص ودعمها بالأموال والوسائل والأطر وبرامج التكوين ، حتى نكون في مستوى وضع النماذج واكتشاف النظريات العلمية وابتكار الحلول الملائمة لمشكلاتنا، ليس فقط في قطاع التربية والتعليم بل في جميع القطاعات الحيوية الأخرى من صناعة وفلاحة وصحة وتغذية و ثقافة و تكنولوجيا ونقل وإعلام وتشييد البنيات التحتية …
- كما ندعو ارتباطا بذلك وفي سياق تأصيل نشاطنا التربوي وغيره وتحريره من مختلف أشكال التبعية والتقليد والاتكالية واستيراد النظريات الجاهزة ،إلى إعادة النظر في أساليب عقد اتفاقيات الشراكة وتفويت الصفقات مع مكاتب الدراسات وخاصة المكاتب الأجنبية وتقنين ومراقبة نشاط المنظمات الدولية ووكالات التعاون وكل الجهات الداعمة والتي يكون لها بالغ الأثر في اختيار هذا النموذج أو ذاك وبالتالي في وضع/فرض استراتيجيات “الإصلاح” ، وفحص وتقويم نشاطها بما يخدم المصلحة الوطنية قبل كل شيء ويستجيب للحاجيات الحقيقية للأفراد والجماعات ومتطلبات الجهات والقطاعات المستفيدة من الدعم ، في جميع مجالات التنمية.
2- الخلفية النظرية للنموذج
يندرج هذا النموذج البيداغوجي “التدريس بالملكات” ، ضمن منظور paradigme ”تجديد التراث” ،بل هو اجتهاد لتطبيقه في المجال التربوي التعليمي. هذا المنظور الذي بلوره العديد من المفكرين المعاصرين وفي مقدمتهم أستاذنا الكبير محمد عابد الجابري ، في أعماله الرائدة للجواب عن الأسئلة المصيرية التالية “:
كيف نستعيد مجدنا؟ ؛ كيف نحيي تراثنا ؟؛ كيف نعيش عصرنا؟؛ كيف نتعامل مع تراثنا؟ ؛ كيف نعيد بناء شخصيتنا ؟ ؛ كيف نحقق ثورتنا؟.
يدرك الجابري أن تراثنا تراث حي، لأنه ظل ساريا بيننا متغلغلا في نفوسنا، وأنه قابل للتطور، في حين بقيت ثقافتنا/ عقليتنا السائدة حالياً متخلفة ، إنها “من مخلفات عصور الانحطاط، خاصة في طريقة التفكير التي تنتهجها”. ولهذا دعا إلى ضرورة تخليصها أولا من شوائبها، ثم تبني بعد ذلك ، طريقة موضوعية في قراءة ما تستبطنه وتختزنه من تراث.
تستند الطريقة الموضوعية في قراءة التراث ، على إعادة النظر في ترتيب العلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر، أو الحداثة والتراث، آو الفهم التقليدي للتراث والفهم العلمي. على أن الجابري في قراءته العلمية ينحاز منذ البداية للحداثة ويجعلها منطلقه ومنتهاه، ولا تتحقق تلك الحداثة إلا بالارتكاز على التراث . ولذلك فأول مهام المفكر هي ضرورة تحريرنا من الفهم التراثي للتراث ، الذي تحكم طويلا بعقليتنا، وتخليص هذا التراث من طابعه العام والمطلق والمقدس، ووضعه في إطاره الحقيقي، أي إطار النسبية والتاريخية ولا يتحقق ذلك إلا بتأسيس الفهم العقلاني و الحداثي و الديمقراطي للتراث .
ويخلص أصحاب منظور “تجديد التراث ” وفي طليعتهم مؤسسه محمد عابد الجابري ، بأن للعودة إلى التراث دور وظيفي حاسم للنهوض بأمتنا وانبعاث حضارتها، ويتمثل هذا الدور في الارتكاز على التراث لنقد الحاضر البائس وتأسيس المستقبل. كما أن لهذه الدعوة المجددة وظيفة دفاعية للحفاظ على هويتنا وأصالتنا ضد التبعية والاستلاب. “لقد كان التراث دائما حصنا منيعا للدفاع عن الاستقلال و للحفاظ على الذات وخصوصيتها الثقافية وقدرتها على التحرر والإبداع”.
على أن قراءة الجابري هي في نفس الآن دعوة إلى القطيعة ، لكنها ليست قطيعة مع التراث برمته، وإنما قطيعة مع نماذج معينة من التراث سادت في عصر الانحطاط، وقطيعة مع القراءات و المناهج غير الموضوعية . “إن القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحولنا من “كائنات تراثية” إلى كائنات لها تراث. أي إلى شخصيات يشكل التراث أحد مقوماتها، إنها دعوة إلى تجديد التراث، لا إلى إلغائه “.
إن تجديد التراث ينبغي أن يتم وفق رؤيةٍ معاصرة، فننتقي منه النماذج الإيجابية التي تساعدنا على بناء حاضرنا واستشراف مستقبلنا، ونترك نماذجه السلبية أو نعدلها. فتجديد التراث يعني اختيار النماذج النافعة من تراثنا اختياراً قائماً على الفهم والتمييز والنقد والمفاضلة بين العناصر التراثية، وجعل الصالح منها منطلقاً إلى الإبداع والابتكار .
لقد وجد هذا المنظورالجابري( و الجابرية عموما) المستنير والتقدمي و الحداثي للتراث ، طريقه إلى إعادة تشكيل الرؤى و الباراديكمات ، التي يستلهمها العديد من الباحثين حاليا ، منهم على سبيل المثال محمود السيد ، الذي يستخلص وجود نماذج جيدة في تراثنا ينبغي الإفادة منها وتوظيفها، ومن هذه النماذج:
- النموذج العلمي التجريبي: الذي طوره عدد من علمائنا القدامى مثل جابر بن حيان والبيروني وابن الهيثم والخوارزمي وابن النفيس وغيرهم كثير.
- النموذج الوظيفي أو النفعي للمعرفة، انطلاقا من الدعاء النبوي ” اللهم علّمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علماً، وكلُّ علمٍ وبال على صاحبه إلا من عمل به.”
- النموذج التربوي، الذي يجعل التعليم مدى الحياة حقّا للإنسان وواجبا عليه وعلى الدولة، ويجعل الحرية الفكرية أساسا لتنمية الشخصية الإنسانية وتنمية المعرفة ذاتها.
كما نعثر في تراثنا على نماذج كثيرة لها راهنتيها ويمكن استلهامها و إغناؤها وتوظيفها في حل الكثير من الإشكاليات، من مثل:
- النموذج اللغوي؛
- النموذج القانوني ؛
- النموذج الاجتماعي؛
- النموذج الأخلاقي ؛
- النموذج الإنساني …
* * *
و نستخلص نحن بدورنا وعلى هدي هذا المنظور ( الباراديكم ) ، نموذجا أصيلا آخر من تراثنا، نغنيه ونوظفه للمساهمة في الإصلاح البيداغوجي المنشود ، وهو النموذج التعليمي ، “التدريس بالملكات”.
3- مكونات النموذج وخصائصه
يتميز مقترحنا بالعديد من الخصائص العامة التي سنستعرضها في العناوين رفقته ولكنها تبقى مبادئ وتوجهات عامة ، تحتاج بطبيعة الحال ، إلى برامج تطبيقية لأجرأتها وتجارب توفر ظروف تفعيلها داخل الأقسام والمدارس، برامج نحن بصدد الاجتهاد في وضعها وتفصيل مقتضياتها ، سنعمل على عرضها في دراسات لاحقة .
أولا : توظيف الملكات : يوظف النموذج مفهوم الملكات ومفاهيم أخرى مرتبطة …بمعناها التراثي الأصيل، مع العمل على تطويرها وجعلها أكثر غنى وأكثر استجابة لمتطلبات العصر.وهذه الملكات يمكن أن تشكل منطلقا لمعايير تنظيم المنهاج الدراسي بمعناه الواسع، بل يمكن أن تتحول هي نفسها إلى معايير تنظم التعليم برمته وترفع من جودته .
ثانيا: تأصيل النشاط التربوي : إن ما يبرر اقتراحنا لمدخل الملكات ، هو العمل والاجتهاد،استنادا على الخلفية النظرية للنموذج ، لتأصيل النشاط التربوي و إيجاد بدائل مستمدة من تراثنا التربوي وتجديد وتحديث النماذج والمفاهيم والأساليب الأصيلة في تراثنا و السعي في نفس الآن ، لإغناء النماذج والمقاربات الحالية والمستجدة على الساحة التربوية – التعليمية ، بهدف عقلنة التدريس وجعله أكثر فاعلية واندماجا ، و تطويره من خلال تربية غنية ومبدعة ، دون التضحية، باسم العولمة ، بخصوصيتنا واستقلالنا.
ثالثا :الاستجابة للحاجيات الحقيقية للمتعلمين : إننا ننطلق في هذا النموذج ، من انتقاد التوجهات التي تريد أن تجعل من بعض المقاربات في التعليم وباسم التجديد ، أداة لتطويع البشر وترويضهم وبرمجتهم وفق أنماط غربية وغريبة، ضدا عن مصالحهم وعن احتياجاتهم الحقيقية؛ والعمل على رفض المناهج التي تسعى إلى خلق أنماط من التفكير والأداء محددة سلفاً وبكيفية آلية، والتضييق من قدرات المتعلمين الإبداعية، عوض أن نيسر لهم سبل الاختيار بما يتوافق مع خصوصياتهم و طموحاتهم ويمكنهم من التثقيف الذاتي والتطوير الشخصي .
رابعا : رفض الاكتفاء بالصياغات الإجرائية- السلوكيةللنشاط التعليمي : إننا ننتقد في هذا النموذج ، الاكتفاء بالصياغات الإجرائية- السلوكية و الوضعياتية ، سواء للأهداف أو للكفايات أو للمعايير … كما هو سائد في بعض الأنظمة والنماذج التعليمية ، التي تكتفي باستيراد هذه المقاربة أو تلك ، والتوقف عند المؤشرات السلوكية -الجزئية والغرق في الكثير من الإجراءات والتقنيات، والتي كثيرا ما تؤدي،فضلا عن السقوط في الإتكالية و الارتباط ، إلى الآلية والنزعة نحو التفتيت والابتعاد عن الأهداف الحقيقية والغايات التربوية المنشودة.
كما أن التحديد الإجرائي-السلوكي والصارم للأهداف على سبيل المثال، كثيرا ما يمنع المدرسين من الاستفادة من الفرص التعليمية غير المتوقعة التي تحدث داخل الأقسام ، فيستبعدون مبادرات التلاميذ بل ومبادرات المدرسين أنفسهم والتي تفرضها المواقف التعليمية المستجدة ولا تتناولها الأهداف أو الكفايات أو المعايير ، المحددة سلفا و بعبارات سلوكية جامدة.
خامسا: التخطيط الاستراتيجي واعتماد نظرة استشرافية للمستقبل : يتعلق الأمر هنا بإيماننا بأن تسليط الأضواء في نموذج التدريس بالملكات ، على الاحتياجات الحقيقية للتلاميذ وأسرهم كما أسلفنا ، يتطلب تحديد الأولويات والاختيارات الملائمة برؤية استباقية واعية، قصد مساعدة صانعي القرار التربوي وواضعي تشريعات وأساليب التطبيق ، للتوجه نحو الأهداف بعيدة المدى، مع إطْلاعهم على التدابير الواجب اتخاذها في الحين، قصد الوصول إليها. إن من أبرز الأزمات التي تعاني منها العديد من الأنظمة التربوية ،ومن ضمنها نظامنا، العجز عن تحديد الغايات النهائية للنشاط التربوي في أطار فلسفة واضحة المعالم، فلسفة تقرأ الماضي الحي وما يزخر به من نماذج وتجارب ،قراءة تساعدنا على حل إشكالات الحاضر، في إطار استشرافي للمستقبل.
إن استشراف المستقبل عموما ومستقبل النشاط التربوي على وجه الخصوص، يعني استخلاص عبرة من الماضي بالنهل من التراث و اعتماد في نفس الآن ، سيناريوهات مختلفة معدة سلفا، لجميع الحالات الطارئة المحتملة والممكنة ، بالانطلاق من المسلمات والافتراضات المتفق عليها من مختلف اتجاهات البحث العلمي والفكري والعقائدي والتكنولوجي؛ وتعيين الإمكانيات والقدرات اللازمة لإنجاز أي مسار مستقبلي.
كما نعني بالاستشراف في هذا المجال ، دراسة الوجهة المستقبلية للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ومكونات منظومة التربية والتكوين ومتابعة مسار تطور الملكات الأساسية والنوعية والمهنية الضرورية للانخراط في المهن والصناعات وفي التنمية وفي الحياة عموما ، ملكات يجب عدم إغفالها لأنها تنبئ بالمستقبل.
شريطة أن يكون استشراف المستقبل مبنيا على تخطيط استراتيجي علمي ، ينطلق من تجارب الماضي (التاريخ والتراث) وحيثيات ومعطيات واقعية وتوقعات معقولة. وفي هذا الصدد يؤكد عالم المستقبليات المهدي المنجرة ، على أهمية المنهج العلمي في دراسة المستقبل، فيقول: “لا يكمن دور الاستشراف في إصدار التنبؤات اعتباطياً؛ بل يتجلى هدفه في تحديد الاتجاهات، وتخيُّل مستقبلٍ مرغوبٍ فيه، واقتراح استراتيجيات تحويله إلى مستقبل ممكن”.
سادسا : اعتماد النظرة الشمولية للمنهاج : إننا نروم في هذه المقاربة ، الانطلاق من النظرة الشمولية للمنهاج و نقترح أن تستهدف المنهاج التربوي في مكوناته الأساسية: الأهداف التربوية والتي تستحضر مختلف عناصر الوظيفة التربوية ،سواء المعرفية منها أو الجسمية (الحسية – الحركية و المهارية ) أو الروحية –الأخلاقية (الوجدانية). كما تستهدف الاختيارات المعرفية والعلمية (المضامين) ، وكذا الطرق والأساليب والتقنيات والكتب المدرسية و أنظمة التقويم ، وخصوصيات الفئات المستهدفة وأساليب المتدخلين من مدرسين ومرشدين وإداريين (القيادة التربوية) و تنظيم الحياة المدرسية (التنظيمات البيداغوجية وتوزيع الزمن المدرسي و الأنشطة الموازية …).
سابعا :تبني المنهاج المندمج :
من المكونات الأساسية في نموذج التدريس بالملكات، اعتماد مبدأ الاندماج بمعناه الحقيقي كما نتبناه في “المنهاج المندمج” والذي نعتبره السياق الطبيعي لتطبيق هذه البيداغوجيا الأصيلة ، يسعى المنهاج المندمج للمؤسسة (م 3) كما نتصوره ، إلى التكامل لكن ليس بمعناه الضيق والمنحرف الذي يختزله في الاندماج على مستوى الموارد المعرفية التي يكتسبها التلميذ ويجندها لمواجهة وضعيات ، بل بمعناه العميق والشامل والذي يتمثل في المبادئ الثلاثة التالية:
   1- “الاندماج العمودي بين المراحل والشعب ": إعادة النظر في هيكلة التعليم (الابتدائي –الإعدادي – الثانوي – العالي) مع رؤية مندمجة لتطور مختلف أسلاك التعليم بالعلاقة مع التكوين المهني، كجزء من المنظومة التعليمية. بموازاة مع تطوير التعليم العتيق والأصيل و إيجاد جسور التواصل بينه وبين الأنظمة الأخرى في التعليم العام والخصوصي. كما تساير المقاربة التربوية المندمجة ، الرغبة في الحد من الازدواجية الفاصلة بين مناهج القسم العلمي والتقني ( الفني) ومناهج القسم الأدبى وذلك بتزويد الطالب بخلفية متينة فى اللغة والرياضيات والعلوم الطبيعية والإنسانية والتكوين الثقافي العام، بشكل متوازن.
   2- "الاندماج الأفقي " (التناسق والتكامل المعرفي) : توزيع السنة الدراسية على الدورات (الفصول) و مراجعة تنظيم الدراسة في مختلف الشعب والتخصصات و تنظيم المواد الدراسية ووحدات التخصص بالنظر في إمكانية إحداث مواد جديدة ومد الجسور بين المواد المعروفة تقليديا بتطبيق مبدأ التكامل ، مع مراعاة خصوصيات المواد الدراسية والتخصصات على حدة.
و أن يتم تحقيق التكامل بين المواد الدراسية والبناء المتدرج لمفاهيمها وفق آخر ما توصل إليه العلم في ميادين النمو العقلي والنفسي للمتعلم (مثل توظيف نظرية الذكاءات المتعددة).
كما يشمل هذا المبدأ الاندماج بين النظري والعملي في إطار واحد ، ومنه ضرورة عناية التربية بالربط بين الفكر والعمل وإلغاء الثنائية التي نلاحظها في المدرسة الحالية السائدة في بلداننا. إذ يشترط في المدرسة المندمجة الأصيلة ، تحقيق الحد الأدنى من التكامل بين جميع الأنشطة التربوية داخل القسم وخارجه ، وبين موضوعات الدراسة النظرية والدراسة العملية ، مما يساعد في بناء إنسان سوى ذي شخصية متوازنة ، يفكر بعقله ويجرب بيديه.
   3-"الاندماج المنهاجي curriculaireمع متطلبات المجتمعات المحلية " : مراعاة العلاقة التفاعلية بين ما تقدمه المدرسة من برامج ومحتويات وما يسعى المجتمع إلى تحقيقه من أهداف وغايات وملكات، باعتبار المدرسة محركا أساسيا للتقدم الاجتماعي وعاملا رئيسا من عوامل التنمية. مع الحرص على مراعاة المنهاج الدراسي لخصوصيات المناطق والجهات في أفق العمل بالجهوية الموسعة.
وهكذا يسير الاندماج المقصود في المنهاج الذي نتبناه والذي يأتي نموذج التدريس بالملكات كتتويج له، يسير في اتجاه متصاعد بدءا من المستوى المحلي ثم الجهوي فالوطني (أي على مستوى المجتمع ككل)، لنصل في النهاية لتحقيق الاندماج على المستوى الإقليمي (العربي – الإسلامي). إننا نقترح أن تتميز المقاربة والمنهاج التربوي عموما ،بالسماح للعاملين في قطاع التعليم، بقدر من المرونة في صياغة الملكات المستهدفة واختيار المضامين التعليمية الملائمة ، بحيث نمكن المناطق والمؤسسات والجهات التي يشتغلون بها ، من قدر من الحرية لتعديل ومواءمة المقررات الدراسية، مع الاحتياجات والخصوصيات الجهوية ، مع احتفاظها بالأسس المشتركة في المنهاج العام. وإقامة مشاريع الشراكة التربوية ، حيث تترك للمؤسسات المبادرة في عقد اتفاقيات التعاون مع القطاع الخاص وفعاليات المجتمع المحلي،وتعديل مناهجها الدراسية بشكل مندمج ، بما يساير خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويلبي في نفس الآن ، الاحتياجات الحقيقية للتلاميذ ومتطلبات أسرهم ، دون الإخلال بالمنهاج العام وبالسياسة العامة للدولة.
4- مفهوم الملكات في التراث
مفهوم الملكات من المفاهيم الغنية في تراثنا العلمي والتربوي ، حيث نجد له استعمالات كثيرة ومعاني متعددة ومضبوطة ، تتمحور كلها حول اعتبار الملكات من أهم ما يمكن للفرد أن يكتسبه وان ينتجه في نفس الآن ، على مستوى فكره وشخصيته بشكل عام ، في جميع أنشطة الحياة وفي مختلف العلوم والصناعات . وسنقدم فيما يلي ، كمثال على ذلك ، تعاريف لبعض أظهر المفكرين ممن انشغلوا بهذا المفهوم واشتغلوا به ووظفوه في كتاباتهم . ونخص منهم بالذكر الجرجاني و إخوان الصفا وابن خلدون .
أولا : الملكة لدى الشريف الجرجاني :
الملكة لدى الجرجاني من الصفات الثابتة في النفس بقدر من الدوام ، واستعداد عقلي خاص لإنجاز أعمال بحذق ومهارة . ويعرفها على النحو التالي :“الملكة هي صفة راسخة في النفس. فالنفس تحصل لها هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالة ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال فتصير ملكة.وبالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا“ (كتاب “التعريفات” للشريف الجرجاني -740- 816 ه / 1339 -1413م).
ثانيا : الملكة عند إخوان الصفا :
(القرن الرابع الهجري،-الحادي عشر الميلادي):
اصطلح إخوان الصفا على مفهوم الملكة بالعادة ، حيث يرون أن الملكة كمهارة تكون في الأخلاق والصنائع ولا تكون إلا نتيجة تحصيل حاصل للممارسة الدائمة ، حيث يعبرون عن هذا بقولهم :“…واعلم أن العادات الجارية بالمداومة عليها تقوي الأخلاق الشاكلة لها ،كما ان النظر في العلوم و المداومة على البحث عنها والدرس لها ، والمذاكرة فيها يقوي الحذق بها والرسوخ فيها وهكذا المداومة على استعمال الصنائع والتدرب فيها يقوي الحذق بها والأستاذية فيها…“
ثالثا : مفهوم المَلَكة عند ابن خلدون: 1406-1332 )م.)
ترد هذه الكلمة في أكثر موضع من”المقدمة” ولا سيما على امتداد الفصول المخصصة للتعليم. وفي كل مرة يتخذ معنى سياقيا مضبوطا. و إذا كان مفهوم العصبية هو المفهوم المركزي في تحليلات ابن خلدون للدولة والاجتماع البشري، فإن مفهوم الملكة هو المفهوم المركزي في آرائه حول التعليم.
ينبني التعليم المفيد عند ابن خلدون ، على ستة عناصر (التدريج، التكرار، عدم الخلط، عدم التوسع في المعارف الأداتية، التركيز على الكتابة والحساب، التوسع في العلوم من خلال الرحلة لطلبها). والهدف النهائي هو أن يحصل المتعلم على ملكة في العلم المدروس..
ويعرفها "إن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة ، ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها“.
إن الملكة فردية ، فطرية ومكتسبة (ليست جماعية ولا فطرية كليا)، كما أنها جسمانية (خارجية وملاحظة) حتى ولو كانت قدرة ذهنية. يقول ابن خلدون:”والملكة كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ"
“والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال ، لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة فيزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة".
الملكة صفة راسخة :عندما ترسخ الملكة يحصل الحذق والذكاء والكيس والاستيلاء على العلوم والصنائع.”وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره" “وما لم تحصل الملكة لم يكن الحذق".
والملكة تتطور وتجود، مثلما تنطفئ وتخمد، “[فالمتعلم] إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم، استعد بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق" “فتجود ملكته". “وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه".
الملكة صناعة : تمكن الملكة الإنسان وتسمح له بإتقان ومعرفة مبادئ الشئ وقواعده عن طريق الممارسة. "الملكة كقدرة أساس في صياغة الأفعال بأنواعها "، إذ تمكن الملكة الإنسان من القيام بالأعمال العائد إليها نحو الخياطة والحدادة والتعليم واكتساب اللغة.
تحديد مفهوم ارتقاء الملكة إلى صناعة يتم عن طريق المراس والتكرار .
الحفاظ على الملكة اللغوية السليمة يكون بتأسيس واقع لغوي اصطناعي سليم والعكس صحيح.
رابعا : أنواع الملكات عند ابن خلدون :
يصنفها من حيث طبيعة حدوثها إلى قسمين :
1-ملكات فطرية ويصطلح عليها بالجبلة .
2-ملكات صناعية مكتسبة ويصطلح عليها بالصناعة .
مفرقا بينهما في كيفية الحصول :بحيث أن الأولى موجودة في الفرد بالفطرة أي أنها استعداد فطري يولد به الطفل حسب تعبير تشومسكي 'أما الثانية فتحدث بالممارسة والدربة والميران.
ومن حيث درجة عموميتها، هناك نوعان من الملكات:
1- الملكات الأساسية التي ينبغي للمتعلم أن يحصلها من خلال تعلماته، وهي غاية التعلم وهدفه الأسمى، “وذلك أن الحذق في التعلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله”
2-الملكات الوسيطية (الأداتية) التي تخدم غيرها في طريق تحصيل الملكة الأساسية،فالمتعلم يحصل ملكة أولية (وسيطية) تساعده على الوصول إلى الملكة الأساسية مثل ملكة الوضوء من أجل تحصيل الملكة الأساسية التي هي الصلاة .
خامسا : مثال عن الملكات عند ابن خلدون :الملكة اللغوية .
اهتم ابن خلدون بالقدرة العقلية الكامنة وراء الكلام ، مثل تشومسكي حيث اصطلح على تسميتها بالملكة ، قائلا :“وهذا معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ، ولم يأخذوها من غيرهم…“ و تشومسكي يسميها الكفاية (القدرة)compétence حيث يقول :“اللغة قدرة فطرية عند المتكلمين بلغة ما لفهم وتكوين جمل نحوية ".
يقول ابن خلدون في “المقدمة” :
"…اعلم أن اللغات كلها شبيهة بالصناعة ،إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقائصها ، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات ، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب ،فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب أفراد المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ، ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال ،بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع ، وهذا هو معنى البلاغة…“
5- تعريفنا للملكات
نقترح ان نبدأ في نموذج "التدريس بالملكات " واستلهاما لتلك المفاهيم التراثية الأصيلة، من تعريف وظيفي للملكة، يمكن الأخذ به كمنطلق ، نطرحه كفرضية عمل (hypothèse de travail) أساسية نشتغل بها ، في انتظار ما ستسفر عنه أبحاث تعميق المقاربة ، من مقترحات للتعديل و التطوير ، وهو:
“الملكة تركيبة مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات، تكتسب بالمشاهدة والمعاينة وترسخ بالممارسة وتكرار الأفعال ، في إطار حل مشكلات ومواجهة مواقف، والملكة قابلة للتطوير و التراكم المتدرج (هيآت ، حالات ، صفات…) و يكون لها تجليات سلوكية خارجية (حذق، كيس ، ذكاء، طبع…).“
علما بان مفهوم الملكة هذا لا يمثل بديلا عن مفاهيم البنيات الذهنية والقدرات والمهارات و الكفايات …المتداولة اليوم في مجال علم النفس المعرفي و غيره، بل يعتمد عليها ويغتني بها، لكنه يوظفها بشكل أصيل ، أي باعتماد معاني الملكات وما ارتبط بها من مفاهيم ، في أصل نشأتها وتطورها لدى علمائنا . إنه تصور عقلي- وظيفي لظاهرة التعلم والتملك المعرفي ، ينطلق من مقترحات ابن خلدون وغيره ممن لمعوا في مجال التربية ، مع اللجوء للأبحاث المعاصرة لتهذيبها وتعميقها و أجرأتها ، من خلال جملة المفاهيم النفس-عرفانية المذكورة آنفا.
6- تصنيف الملكات في النموذج
- ملكات أساسية في الحياة
2- ملكات أكاديمية في التعليم
3- ملكات مهنية في الصناعة
ملكات أساسية
في الحياة
ملكات اللغة والتواصل
مشافهة الرسوم
بالكتاب ومشافهة اللسان بالخطاب
ملكات الحساب في صنعته “تصرف في العدد بالضم والتفريق”
الملكات المعرفية والمنطقية
الكتابة تقوي النظر العقلي، و الحساب يقوي العقل (العمليات الذهنية الصورية أو المنطقية)
الملكات العملية -الاجتماعية
أوليات السلوك والممارسات
في الاجتماع البشري والأخلاق
تدبير المنزل
ملكات أكاديمية / نوعية
في التعليم
ملكات في علوم دنيوية :
الرياضيات
علوم طبيعية
علوم اللغات
علم الاجتماع – التاريخ…
جدل -علم الكلام – منطق -علوم الفلسفة
ملكات في علوم شرعية:
علم إلهي ، الكتاب و السنة ، تفسير
- حديث
أصول الفقه – تصوف
ملكات لأجل علوم عملية
السياسة المدنية
الملكات التكنلوجية
ملكات مهنية
في العمل والصنائع
ملكات الصناعة البسيطة
تكون في الضروريات
والصنائع الضرورية مثل( الفلاحة , البناء , الحدادة , النجارة , الخياطة ). ضرورية لأنها توفر ما هو ضروري للعيش
ملكات الصناعة المركبة
أي التي تكون في الكماليات والصنائع الشرفية مثل ( التوليد , الكتابة , الغناء , الطب , التعليم )
وهي شرفية لأنها تعطي صاحبها شرف الترقي. 

7- التوجهات التربوية للنموذج
أولا : توجهات على مستوى الأهداف :
حتى يتمكن نظامنا التربوي من القيام بوظائفه على أكمل وجه ، لابد من اعتماد مقاصد وأهداف وفق اختيارات وأولويات محددة في المنهاج التربوي ككل ، تستجيب لطموحات المجتمع. ثم ترتيبها وتنظيمها في لوائح خاصة بكل مرحلة تعليمية و كل شعبة ومقرر دراسي. بما يخدم الملكات الأساسية (المواصفات أو الأهداف العامة ) المرسومة للمتعلم في نهاية كل مراحل من مراحل التحصيل الأولي والابتدائي؛ والملكات النوعية والصناعية ، المرتبطة بمختلف العلوم والصناعات في المراحل المتقدمة.
كما ينبغي ان تستجيب المقاصد و الأهداف لحاجيات الفرد والعناية بمختلف جوانب شخصيته: الجسمية والعقلية والروحية. لأجل تكوين شخصية متوازنة ، بحيث لا نكتفي باستهداف الجوانب العقلية -المعرفية على حساب الجوانب الأخرى من الشخصية .
وللتذكير ينصح أبو حامد الغزالي في تنشئة الصبيان وعموما في آرائه التربوية ،باستهداف المكونات الرئيسية للنفس البشرية وهي: العقل والروح والجسم. وينظر إليها باعتبارها كيانا واحدا متكاملا. ومن ثم جاء تأكيده على بعض الأساليب والطرق التربوية التي تتناول تلك المكونات بشكل متكامل ومتوازن، كالمجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح، والتفكر لتربية العقل، وترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك، واللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل والحواس.
كما أننا نلح بخصوص اختيار الغايات ورسم الأهداف و المواصفات والملكات ، على تبني الرؤية الإستراتيجية والاهتمام بالمستقبل. وقد عنيت بالفعل الكثير من الأنظمة التعليمية المعاصرة بعملية التخطيط واستشراف المستقبل وكان هذا أحد أسباب نجاحها في الريادة والتقدم.
على أن الرؤية الجيدة للمستقبل ، يجب أن يتوفر فيها بعض الصفات ، لعل أهمها ما يمكن أن يقوم به أصحاب القرار والمخططون ، مركزيا و جهويا، وكذا الممارسون … من وضع الأهداف والملكات التي تسعى المنظومة لتحقيقها ورسم للمتعلمين صورة المستقبل الذي نريد الوصول بهم إليه. فهم يبلورون بذلك، الرؤية والأهداف السامية ويشحنون كلا من المدرسين والتلاميذ بالرغبة في تحقيق تلك الأهداف والوصول إلى الغايات المرجوة. ولا فرق هنا بين أن تكون هذه الرؤية لاختيار شعب وتخصصات او مسارات مهنية أو لوضع مشاريع شخصية …أو على المستوى العام ، عبر بناء مجتمع جديد تسود فيه العدالة والمساواة والحرية.
الرؤية المستقبلية الواضحة إذن ، هي التي تحفز التلاميذ على الاستمرار في السير نحو الهدف رغم الصعوبات. إن استشراف المستقبل يحتاج لنفاذ بصيرة وبعد نظر وتقدير كل الاحتمالات والاستعداد لأسوئها.
ثانيا : توجهات في المضامين المعرفية والفكرية:
- اعتماد مبدأ الاندماج والتكامل والتنسيق بين مختلف أنواع المعارف وأشكال التعبير؛
- اعتماد مبدأ الاستمرارية والتدرج في عرض المعارف الأساسية عبر الأسلاك التعليمية؛
- تجاوز التراكم الكمي للمضامين المعرفية؛ استحضار البعد المنهجي والروح العلمية-الموضوعية في تقديم محتويات المواد؛
- العمل على استثمار عطاء الفكر الإسلامي خاصة و الإنساني عامة ، لخدمة التكامل بين المجالات المعرفية؛
- الحرص على توفير حد أدنى من المضامين الأساسية المشتركة والملكات الأساسية لجميع المتعلمين في مختلف المراحل (خاصة الأولى منها) والشعب؛
-إحداث التوازن بين المعرفة في حد ذاتها (النظرية)والمعرفة الوظيفية – التطبيقية.
- اندماج محتويات المناهج خاصة في المراحل الأولى من التعليم، وارتباطها بخصوصيات الجهات واستجابتها للحاجيات الفردية والجماعية .
ثالثا :توجهات في مجال التربية على القيم
“الإصلاح النفس-أخلاقي“
يروم هذا المكون الأساسي في نموذج “التدريس بالملكات”، تعزيز دور المدرس و المدرسة في نشر قيم المواطنة والأخلاق والآداب الحميدة وتقوية مكانة التربية الإسلامية والتربية على المساواة وحقوق الإنسان، وثقافة الإنصاف والتسامح، ونبذ الكراهية والتطرف.
كما يروم الانطلاق من القيم التي يتم إعلانها كمرتكزات ثابتة في النظام التربوي والمستندة أساسا على موروثنا الثقافي (ننظر على سبيل المثال ما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين حول منظومة القيم وكذا في “الكتاب الأبيض” خاصة في جزئه الأول المتعلق بالاختيارات والتوجهات على مستوى القيم …) والتي ينبغي العمل على توظيفها فيما يعرف "بالتربية على القيم " ،وعلى أجرأتها في المقررات والكتب المدرسية وأنظمة التقويم…والتي تستلهم بالأساس من:
- قيم العقيدة الإسلامية؛
- قيم الهوية الحضارية لأمتنا ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛
- قيم المواطنة وحقوق المواطن وواجباته؛
– القيم الكونية لحقوق الإنسان…
رابعا: توجهات في مجال الطرق والوسائل (لتحصيل وتنمية الملكات) :
لتيسير اكتساب الملكات وتنميتها على الوجه اللائق عند المتعلم، يتعين مقاربتها من منظور شمولي لمكوناتها، ومراعاة التدرج البيداغوجي في برمجتها، ووضع استراتيجيات اكتسابها تستند على مراحل وخطوات تحصيل الملكات عند ابن خلدون وغيره .مع الاستفادة من التدريس بالمشكلات والعمل بفكرة المشروع (مشروع المؤسسة والمشاريع الشخصية…) للربط بين النظري والعملي . واعتماد حلول تربوية تسمح بالعمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلمين ووتيرة التعلم لديهم ونوع ذكائهم الغالب ،ولذلك قيل : “كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه ، حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار ” .
و لأجرأة هذه التوجهات نقترح :
-العناية بكل ما يرتبط بأشكال تنظيم التعلم داخل الأقسام الدراسية (الطرق، الأساليب ، الوسائل، المصادر والكتب المدرسية، أنظمة التقويم والاختبارات)
– تنويع الأساليب وطرق تناول المعارف في إطار المقاربة بالملكات؛
- مع العمل على ترشيد استعمال البنيات التحتية والتجهيزات والأدوات التعليمية.
- و الإلحاح على تكييف بعض الطرق والممارسات التقليدية الأصيلة والأخذ عموما بالطرق النشطة وطرق وضع المشاريع ومواجهة المواقف وحل المشكلات …وعلى سبيل المثال :
نجد أن ابن خلدون مع أنه يبيح استخدام الطرق التي تناسب المعلم ، إلا أنه يشجع على استخدام طريقة المناقشة .فالتعليم عنده ، يهدف إلى حصول المتعلم على ملكة العلم حيث يصبح على درجة عالية من الفهم وليس فقط حفظه دون فهم وتعمق. لذا انتقد ابن خلدون الطريقة القيروانية التي كانت في زمانه تركز على الحفظ بشكل كبير، ووصف الطلاب بأنهم يلتزمون الصمت والسكون التام دون مشاركة ."
كما يقدم ابن خلدون منهجا متكاملا ومتماسكا في اكتساب الملكات يتميز بالأساليب التالية :
1- الاكتساب من خلال النشأة والممارسة في بيئة معينة .
2- الاكتساب من خلال الحفظ والتكرار والتمرن .
3- التدرج والانتقال من : حالة وقوع الفعل إلى الفعل ثم الصفة ثم الحال فالملكة.
خامسا : توجهات في مجال تنظيم الحياة المدرسية
- من حيث تنظيم الدراسة في مختلف المراحل التعليمية، للارتقاء بجودة الفعل البيداغوجي من خلال الرفع من فعالية التدريس ومن جدوى التعلم ومواءمة الفضاءات التربوية لهما ، اعتماد مبدإ التدرج.
- تنظيم الدراسة وفق معايير موضوعية تلائم المستجدات المراد إدخالها على مختلف المراحل التعليمية ما يلي:
- تنظيم كل سنة دراسية من حيث نظام الدورات والفصول…
- النظر في إمكانية اعتماد حلول تربوية تسمح بالعمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلمين ووتيرة التعلم لديهم بما يفيد في الرفع من المردود الداخلي للمؤسسة وفي ترشيد استعمال البنيات التحتية والتجهيزات التعليمية . وقد ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين“ ، أن من وظائف المعلم : "ان يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه مالا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله ولا يبث إليه الحقيقة إلا إذا علم انه يستقل بفهمها.“
- إدراج الغلاف الزمني الخاص بالتقويم بجميع أنماطه :التشخيصي(في بداية التعلم) والتكويني (الملازم للتعلم) والإجمالي (بعد الانتهاء من التعلم) ،في إطار بيداغوجيا الملكات حسب مراحل اكتسابها وبمراعاة الغلاف المخصص لكل مادة دراسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية ولكل وحدة في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي. و العمل بالدعم التربوي المنتظم الكفيل بترسيخ المكتسبات، والضامن للرفع من نسبة النجاح والتفوق وتكافؤ الفرص.
- المرونة في تنظيم الحصص الدراسية واستعمالات الزمن والعطل؛
- تخصيص مجالات زمنية للأنشطة الثقافية والفنية و الجمعوية ضمن الحصة الأسبوعية.
- النظر في سبل ملاءمة واندماج المدرسة وبعض مقرراتها مع محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
8- خطاطة تلخص
أهم مكونات و أهداف نموذج التدريس بالملكات

9- خاتمة ومقترحات
إننا نعتقد أن عملية تجديد التراث و توظيفه و التي من المفروض أن تجرى اليوم في العالم العربي و الإسلامي على نطاق واسع ، في الكثير من المجالات والتي كان لأستاذي المفكر المغربي الأصيل محمد عابد الجابري فضل السبق والتألق فيها ، نقول إن هذه العملية ستكون من أهم عوامل النهضة واليقظة و الانعتاق و إعادة بناء فكرنا وثقافتنا و تنمية مجتمعاتنا ، حتى نساير الركب ونساهم بفعالية في البناء الحضاري العالمي.
وفي هذا السياق فإن حركة (منظور) تجديد التراث التربوي وتوظيفه وتأصيل المناهج والنماذج والممارسات البيداغوجية، بمنهجية موضوعية و بروح نقدية ومنفتحة ، إن هذه الحركة لا بد أن تتجه اتجاها ايجابيا تقدميا وسليما في قراءة التراث واستلهامه. اتجاه يرتبط ارتباطا عضويا بخصوصياتنا وحاجياتنا الحقيقية و يستلهم تراثنا الأصيل بعد تخليصه من الشوائب و يستصفي حصيلته الغنية ،كما فعلت بالضبط الجابرية، من أعمال الفقهاء والاجتماعيين والمؤرخين والرحالة والفلاسفة والعقائديين والمربين …الذين حفلت بهم أمتنا وافتخرت. لكنه اتجاه بمقدار ما يسعى إلى التأصيل ، بمقدار ما يعمل على التجديد والانفتاح على نتائج البحث العلمي و كشوفات التكنولوجيا الحديثة ، بل يعمل بالأساس على المساهمة الفعلية في الإنتاج والتنظير و الإبداع العلمي و التكنولوجي.
- إن أهم ما نرومه في مشروعنا العلمي وفي سياق استهداف التأصيل لنشاطنا التربوي وتحريره من مختلف أشكال التبعية والاتكالية واستيراد النظريات الجاهزة ، المساهمة في كل ما يعيد الثقة في أنفسنا وقدراتنا على الإنتاج و الإبداع ،إنها دعوة إلى انتفاضة علمية وإلى ربيع تربوي، لفرض إصلاح شامل وعميق لمنظومتنا التربوية وخاصة في جوانبها البيداغوجية التي تعنينا في نموذجنا المقترح . دون إهمال ، بطبيعة الحال ، لبقية جوانب منظومة التربية والتكوين التي ينبغي أن يشملها الإصلاح ، بما فيه إصلاح الوضعية المزرية للبحث العلمي الأساسي منه على وجه الخصوص ، حيث تنبع وتنشأ النماذج وتتبلور مشاريع الحلول.
- وهي في نفس الآن دعوة لرد الاعتبار للباحثين المحليين ولمخابر البحث الوطنية في الجامعات ومؤسسات التكوين العليا ودعمها ، حتى نكون في مستوى ابتكار النماذج واكتشاف النظريات العلمية ، في جميع القطاعات الحيوية و في مقدمتها قطاع التربية والتعليم…
- كما ندعو ارتباطا بذلك ، إلى العديد من الإجراءات ومنها إعادة النظر في أساليب تفويت الصفقات مع مكاتب الدراسات وخاصة المكاتب الأجنبية التي كثيرا ما تتعامل معها وزارة التربية الوطنية وغيرها من الوزارات ،وتقنين ومراقبة نشاط المنظمات الدولية ووكالات التعاون وصناديق الدعم والتي يكون لها بالغ الأثر في اقتراح هذا النموذج أو ذاك وبالتالي في وضع / فرض استراتيجيات “الإصلاح” ، وتقويم نشاطها بما يخدم المصلحة الوطنية قبل كل شيء ويستجيب للحاجيات الحقيقية للأفراد والجماعات في جميع مجالات التنمية.
10- المراجع
أبو حامد الغزالي : ” إحياء علوم الدين “، منشورات دار الكتب العلمية ، بيروت 1902.
-عبد الرحمن بن خلدون :”المقدمة “، تحقيق علي عبد الواحد وافي،لجنة البيان العربي ،بيروت،1968.
-عبد الكريم غريب: " بيداغوجيا الكفايات". منشورات عالم التربية، البيضاء ط5، 2004 .
- إخوان الصفا :”رسائل إخوان الصفا”، دار بيروت،1983.
- الشريف الجرجاني :” التعريفات”، الدار التونسية للنشر،1971.
- زكريا ميشال :”الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون”، المؤسسة الجامعية ببيروت ،1986.
- فتيحة حداد :”ابن خلدون وآراؤه اللغوية والتعليمية “، مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر،2011.
- المهدي المنجرة :” عولمة العولمة”، منشورات جريدة الزمن – سبتمبر، 2000.
- محمد الأوراغي :”اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم”، دار الكلام ،المغرب، 1990.
- محمد عابد الجابري:”التراث والحداثة دراسات ومناقشات”: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت،2006.
- محمد عابد الجابري: “نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي”،طبعة مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،2006.
- محمد الدريج :”الكفايات في التعليم”( من أجل تأسيس علمي للمنهاج المندمج ( الدار البيضاء 2005.
- محمد الدريج :” بيداغوجيا الإدماج في سياق تطوير مناهج التعليم : قراءة نقدية “،موقع دفاتر تربوية ، (دفتر مشاكل وقضايا إصلاح التعليم بالمغرب. (غشت 2011
- محمد الدريج :" تطوير مناهج التعليم : معايير علمية... متطلبات الواقع ...أم ضغوط خارجية ؟" السلسلة الشهرية المعرفة للجميع العدد 33-الرباط ، 2005.
-محمد الدريج :”المعايير في التعليم ،نماذج وتجارب لضمان جودة التعليم " ، منشورات سلسلة المعرفة للجميع، الرباط . " 2008.
- محمد الدريج : “تطوير المناهج الدراسية في المنظومة التعليمية المغربية : المنهاج المندمج ومقاربة التدريس بالملكات نموذجا” ،مجلة المدرس ، 18 مارس 2012 .
- محمود السيِد: ” التراث بين الماضي الحي والغد المنشود”، دراسة مقدمة للمؤتمر الثامن لمجمع اللغة العربية بدمشق، نوفمبر2009. عن علي القاسمي: مفهوم القطيعة مع التراث في فكر الجابري”، مجلة الثافة المغربية ، النسخة الالكترونية ، وزارة الثقافة ،الرباط،،2012 .
- محسن بجا:”منهجية التعليم في مقدمة ابن خلدون”و “المنظور الخلدوني للتعليم”، موقع مكتبتنا العربية الرباط،2010.
- نجيب كمال : " إصلاح التعليم بين التبعية و الاستقلال " مجلة التربية المعاصرة ، العدد28، سبتمبر 1993
– حسن شحاتة :" مداخل إلى تعليم المستقبل في الوطن العربي " ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، 2004
- مجلة الوعي الإسلامي: ” الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل” – العدد (519) ، الكويت،
نوفمبر 2008 .
- اللجنة الخاصة للتربية والتكوين : ” الميثاق الوطني للتربية والتكوين” ، أكتوبر 1999 ، الرباط .
- وزارة التربية الوطنية :”الكتاب الأبيض”، لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي و ألتأهيلي ، الرباط ، يونيو 2002. 

محمد الدريج
أستاذ باحث في علوم التربية بجامعة محمد الخامس – الرباط
ومدير المعهد المتوسطي للبحث والتطوير – IMED
mderrij@hotmail.fr

18‏/02‏/2014

عرض "التقويم التربوي: مفهومه أساليبه مجالاته توجيهاته الحديثة" للمركز الوطني لتكوين المكونين في التربية

 


عرض "التقويم التربوي: مفهومه أساليبه مجالاته توجيهاته الحديثة" للمركز الوطني لتكوين المكونين في التربية

للاطلاع و التحميل المرجو النقر على الصورة أدناه



11‏/02‏/2014

دليل امتحانات الكفاءة المهنية بالنسبة للموظفين الخاضعين للنظام الأساسي الخاص ببموظفي وزارة التربية الوطنية والأطر المشتركة بين الوزارات - القرارات التنظيمية - شتنبر 2006

دليل امتحانات الكفاءة المهنية بالنسبة للموظفين الخاضعين للنظام الأساسي الخاص ببموظفي  وزارة التربية الوطنية  والأطر المشتركة بين الوزارات - القرارات التنظيمية - شتنبر  2006
 تقديم
لقد أفرد المشرع المغربي للترقية عموما، مقتضيات خاصة باعتبارها من أهم الحقوق التي يتمتع بها الموظف العمومي، والتي تمكنه من تحسين وضعيته الإدارية والمالية، وتساعده بالتالي على الارتقاء بمسؤوليات ومهام جديدة على مستوى إدارته .
وفي هذا الصدد، نص الفصل 29 من الظهير الشريف رقم 008-58-1 بتاريخ 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، على أن ترقية الموظفين تشمل الصعود إلى طبقة أو درجة أو رتبة، وتنجز الترقية بصفة مستمرة من طبقة إلى طبقة، ومن درجة إلى درجة ومن رتبة إلى رتبة بعد استطلاع رأي اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء ذات النظر .
وتتخذ الترقية بصفة عامة إحدى الصورتين :        
  • الترقية عن طريق الاختيار بعد التقييد في جدول الترقي؛
  •  الترقية عن طريق امتحان الكفاءة المهنية، وهو ما سنركز عليه في هذا الصدد.

لقد عرف نظام الترقية عن طريق امتحان الكفاءة المهنية ، خلال السنوات القليلة الماضية مستجدات متلاحقة أبرزها صدور المرسوم رقم 854-02-2 بتاريخ 10 فبراير 2003 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية ، والذي نص على أن الترقية من درجة إلى أخرى تتم بالإضافة إلى الاختيار بعد التقييد في جدول الترقية ، عن طريق امتحانات الكفاءة المهنية ، وذلك بالنسبة لكل إطار على حدة .
        هذا ، وقد تمديد هذا النمط من الترقية من خلال إصدار المرسوم رقم 403-04-2 بتاريخ 29 من شوال 1426 ( 2 ديسمبر 2005) بتحديد شروط ترقي موظفي الدولة في الدرجة أو الإطار ، والذي أكد على مبدأ تعميم امتحان الكفاءة المهنية للترقي إلى الدرجات أو الأطر المرتبة ابتداء من سلاليم الأجور رقم 2 إلى 11 ، أو الدرجات التي لها ترتيب استدلالي مماثل ينظم سنويا في حدود 11% من عدد الموظفين المتوفرين على أقدمية لا تقل عن ست (6) سنوات في الدرجة أو الإطار .
كما نص نفس المرسوم على أن يتعين أن تضاف إلى النقطة المحصل عليها في اختبارات امتحان الكفاءة المهنية ، نقطة مهنية تطابق معدل النقط المخولة برسم السنوات المطلوبة لاجتياز امتحان الكفاءة المهنية ، يخصص لها معامل يعادل 30 % من مجموع نقط الامتحان .
        وللإشارة ، فقد أصدرت مختلف القطاعات الحكومية ، بما في ذلك قطاع التربية الوطنية،  مؤخرا القرارات التنظيمية المجسدة لهذه المستجدات مما سيمكن من تنظيم امتحانات الكفاءة المهنية برسم سنة 2006 وفق نظامها الجديد .
ووعيا بالأهمية البالغة التي تكتسيها الترقية عن طريق امتحانات الكفاءة المهنية ، وحرصا على إطلاع كل العاملين بقطاع التربية الوطنية سواء منهم الخاضعين للنظام الأساسي الخاص ، أو بالنسبة للأطر المشتركة بين الوزارات ، فقد ارتأينا إصدار هذا الكتاب، الذي هو بمثابة دليل مرجعي لهذه الاستحقاقات في جوانبها القانونية ، آملين أن نساعد من موقعنا المترشحين على الإعداد الجيد لها خدمة لما فيه صالح نظام التربية والتكوين ببلادنا .

لتحميل الدليل المرجو النقر على الصورة أسفله

10‏/02‏/2014

دليل التربية البدنية للمستوى الأول

 


دليل التربية البدنية للمستوى الأول

الفهرس


للاطلاع و التحميل المرجو النقر على الصورة أدناه



02‏/02‏/2014

كتاب " تاريخ المؤسسات و الوقائع الاجتماعية بالمغرب" للدكتور عبد اللطيف اكنوش

 


كتاب " تاريخ المؤسسات و الوقائع الاجتماعية بالمغرب" للدكتور عبد اللطيف اكنوش

للاطلاع و التحميل المرجو النقر على الصورة أدناه



07‏/01‏/2014

نموذج تجريبي لمجلة كراسات تربوية

 


نموذج تجريبي لمجلة كراسات تربوية

للاطلاع و التحميل المرجو النقر على الصورة أدناه



25‏/12‏/2013

إشكالية التربية و التعليم بالمغرب: أزمة الإصلاح أم إصلاح الأزمة؟

 


إشكالية التربية و التعليم بالمغرب: أزمة الإصلاح أم إصلاح الأزمة؟ 

عبد الغفور العلام

يشكل إصلاح المنظومة التربوية ببلادنا التحدي الأكبر والرهان الأساسي لبلوغ التنمية الاقتصادية و الاجتماعية المنشودة، على اعتبار أن إصلاح قطاع التربية و التعليم هو بالأساس  استثمار في الرأسمال البشري، الذي يشكل الثروة الوطنية الإستراتيجية لمواجهة تحديات العولمة و التنافسية و السباق نحو امتلاك الخبرات و العلوم  و التقنيات ، باعتبارها النواة الصلبة لتأسيس مجتمع العلم والمعرفة، و المدخل الأساسي للرقي ببلادنا إلى مصاف المجتمعات المتقدمة.

 فتاريخ المنظومة التربوية المغربية هو تاريخ الإصلاحات بامتياز، وفي نفس الوقت تاريخ  صعوبات و إكراهات تنزيلها على أرض الواقع، حيث أن كل الإصلاحات  المتعاقبة على المنظومة التربوية  المغربية باءت بالفشل، نظرا لكونها لم تبلغ، لا القصد من بلورتها، ولا الهدف من إعدادها. لتتعدد الأسئلة و تتشعب الإجابات: لماذا فشلت الإصلاحات التربوية السابقة ؟  لماذا لم  تحقق الأهداف المسطرة و لم تبلغ النتائج المرجوة  ؟  و ما هي أهم مداخل الإصلاح التربوي المنشود؟

 

1 – حصيلة الإصلاحات المتعاقبة : مجهودات مهمة في مقابل نتائج مخيبة للآمال.

فرغم كل المخططات و البرامج الإصلاحية التي تعاقبت على المنظومة التربوية بالمغرب، وكل الإمكانيات و الموارد المتاحة من طرف السلطات التربوية (مالية، مادية، بشرية... )، وبالرغم من المجهود المالي و الإعتمادات المهمة المرصودة من طرف الدولة، حيث تمثل ميزانية التربية و التعليم  28 % من الميزانية العامة  و7 %من الناتج الخام الوطني. نجد في المقابل، أن آخر البيانات و المعطيات الإحصائية والتقارير الدولية و الوطنية، تؤكد على أن منظومتنا التربوية تحتضر و تصاب بانتكاسة تلو أخرى، وتعرف كسادا وتكلسا حادين، مما سيجعلها - إن لم تتخذ السلطات الوصية في أقرب الآجال القرارات  المصيرية والحاسمة و الجريئة -  تصل لا قدر الله إلى السكتة القلبية.

آخر هذه التقييمات، تقرير التنمية البشرية لعام 2013 الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي كشف أن معدل إلمام البالغين بالقراءة و الكتابة (من فئة 15 سنة فما فوق) بلغ  %56.1 . كما أن نسبة السكان (فئة 25 سنة فما فوق) الحاصلين على مستوى التعليم الثانوي لا تتعدى 28 %.

ويشير التقرير الأممي كذلك، إلى أن النسبة الإجمالية للالتحاق بالتعليم  تتباين حسب الأسلاك التعليمية، حيت تم تسجيل على التوالي %114 بالابتدائي و  56% بالثانوي  و  %13.2 بالتعليم العالي.  فيما ناهز  معدل التسرب من التعليم الابتدائي 9.5% ، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع المعدلات المسجلة من طرف الدول ذات المستوى الاقتصادي المماثل لبلادنا.

و في نفس السياق، فإن نتائج الدراسة الدولية لقياس مدى تقدم القراءة في العالم "PIRLS"، والاتجاهات في الدراسة العالمية للرياضيات والعلوم "TIMSS" اللتين تقيسان  استنادا إلى معايير علمية وموضوعية، مدى نجاعة وجودة الأنظمة التعليمية في العالم فيما يخص التعليم الأساسي والنوعي، كشفت عن احتلال تلاميذ الصف الرابع  ابتدائي بالمغرب، مراتب جد متأخرة في ما يتعلق بقياس تقدم القراءة وتقييم الاتجاهات في الرياضيات والعلوم ضمن ثلاث مجموعات من أصل 63 دولة  شملتها الدراستان : مجموعة "أسوأ" أداء في القراءة رفقة سلطنة عمان وقطر، ومجموعة "أخيب" أداء في الرياضيات مجاورا كلا من اليمن والكويت، وأخيرا مجموعة "الكسالى" في العلوم مع اليمن وتونس. وهذا يشير إلى أن تلاميذ الصف الرابع  ابتدائي يجدون صعوبة كبيرة في التمكن من مهارات القراءة باللغة العربية.

كما أصدرت منظمة  "اليونسكو" مؤخرا تقريرا صادما عن واقع التربية والتعليم بالمغرب، حيث أشار التقرير الذي تناول بالتفصيل المنظور العالمي حول انتقال التلاميذ إلى التعليم الثانوي، ونسبة الأساتذة وبيئة وجودة وتمويل التعليم  في إطار مقارنة إحصائية لواقع التربية والتعليم في العالم لسنة 2011، أن المنظومة التربوية المغربية تحتل مراتب متأخرة في أغلب المؤشرات التربوية  مقارنة مع المنظومات التربوية لأغلب الدول العربية و الإفريقية.

ف 10 % من الأطفال الذين بلغوا سن التمدرس لم يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية ، في مقابل ذلك سجلت تونس نسبة 100 %، وحققت قطر نسبة 98 %، ومصر 97.5 %، والكويت 97 %، ثم البحرين 93 %. كما أن معدل الانتقال من التعليم الابتدائي إلى الثانوي الإعدادي بلغ حوالي 87 %، حيت جاء ترتيب المغرب وراء إثيوبيا التي سجلت معدل 91 % ، فيما سجلت كل  من  السودان وتونس والبحرين وجيبوتي 96 % .

بالإضافة إلى ذلك، أكد تقرير منظمة "اليونسكو" أن نسبة انتقال التلاميذ إلى الثانوي الإعدادي في المغرب بلغت 34.5 %، وهي نسبة جد متدنية مقارنة مع ما حققته دول الأخرى ( البحرين 89 % ،الكويت 79 % ، قطر 77 %، مصر 65 % ، ناميبيا 54 %، كينيا 50 % ، غانا 46 %).

كما أشار التقرير المذكور، إلى أن نسبة المقروئية بالمغرب بالنسبة للفئة العمرية  فوق 15 سنة بلغت حوالي 56 %، منها 44 % بالنسبة للإناث. وكشفت الإحصائيات و المؤشرات المقارنة، أن المغرب احتل مع موريتانيا رتبة جد متأخرة مقارنة مع الدول العربية . كما حققت قطر نسبة 95 %، تليها الأردن بنسبة 91 %، وسجلت عمان وليبيا والسودان وتونس ومصر نسب عالية.

و في هذا الصدد، أوضحت دراسة أجراها مؤخرا موقع (Averty.ma)  من خلال استطلاع للرأي عبر الانترنت ، أن المغاربة غاضبون من التعليم العمومي كما أنهم بدؤوا يفقدون ثقتهم في النظام التربوي، مما يعزز شعور عام بخيبة الأمل والإحباط، فسواء قبل أو بعد الباكلوريا، فمعدل رضا المستجوبين جد منخفض. حيث عبر 58 % من المستطلعة آراؤهم عن عدم رضاهم عن الدروس التي تقدم بالمغرب٬ فيما يعتبر 9 من أصل 10 أن المخطط الاستعجالي لم تكن له فائدة تذكر.

 

2 - تاريخ الإصلاحات التربوية بالمغرب تاريخ أزمة بامتياز.

مند الاستقلال إلى حد الآن، توالت على المنظومة التربوية المغربية مجموعة من الإصلاحات و المناظرات و اللجن :اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم (1957 )، اللجنة العليا لإصلاح التعليم (1958)، مناظرة المعمورة(1964 )، مشروع إصلاح التعليم  بإفران ) 1980) اللجنة الوطنية المختصة بقضايا التعليم (1994)، ثم الميثاق الوطني للتربية والتكوين(2000/2010 )، و مؤخرا البرنامج الاستعجالي (2009/2012 ).

فواقع الحال، يشير إلى أن تاريخ الإصلاحات التربوية بالمغرب و التي كان أهمها الميثاق الوطني للتربية و التكوين و آخرها البرنامج الإستعجالي 2009/2012 ،  هو تاريخ أزمة بامتياز، فالسياسات التعليمية المتعاقبة على المنظومة التربوية، فشلت في إنجاز مشروع وطني إصلاحي حول المدرسة المغربية.

اختلالات في أجرأة الميثاق الوطني للتربية و التكوين:

فالميثاق الوطني للتربية و التكوين باعتباره أهم وثيقة لإصلاح منظومة التربية و التكوين أجمع عليها كل الفاعلين والشركاء والمتدخلين في الشأن التربوي أنداك، دقق في الكثير من التفاصيل و التزم بأهداف و مؤشرات عجزت المنظومة التربوية على تحقيقها. ولذلك نكاد نجزم أن سبب الفشل في تنزيل مقتضيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين  يرجع بالأساس إلى أسباب تدبيرية و تواصلية و مالية. حيث تم تسجيل ضعف ونقص في تكوين المكلفين بأجرة الميثاق في مجال التدبير التربوي و الإداري و المالي. كما أنه لم تتم التعبئة المجتمعية بالشكل الكافي و المطلوب لضمان انخراط كافة المتدخلين و الفاعلين و الشركاء في مجهودات الإصلاح. بالإضافة إلى أن الحكومة حينئذ، لم تتمكن من توفير الإعتمادات المالية الضرورية التي التزمت بها ( الرفع من ميزانية قطاع التعليم ب 5 % سنويا) لتمويل تنزيل مقتضيات الميثاق الوطني.

  و في هذا السياق، جاء تقرير المجلس الأعلى للتعليم في نهاية عشرية التربية و التعليم ليدق ناقوس الخطر، و ليعلن فشل تنزيل الميثاق الوطني للتربية و التكوين نتيجة تضافر خمس اختلالات أساسية :

* إشكالية الحكامة على مختلف المستويات ؛

* انخراط المدرسين في مزاولة المهنة في ظروف صعبة ؛

* نموذج بيداغوجي أمام صعوبة الملاءمة والتطبيق ؛

* إشكالية تعبئة الموارد المالية وتوزيعها؛

*ضعف التعبئة حول إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية .

و تأسيسا على ذلك، فإن الميثاق الوطني للتربية و التكوين كان في الواقع، جوابا سياسيا أكثر منه جوابا تربويا و بيداغوجيا على إشكاليات التربية والتعليم ببلادنا، على  اعتبار أن  السياسات التعليمية كانت مرتبطة بالمشروع المجتمعي و بالاختيارات السياسية التي كانت سائدة أنداك ( حكومة التناوب، مشروع الانتقال الديمقراطي)، حيث لا يمكننا أن نتكلم عن إصلاح تربوي ناجح  في غياب توافق سياسي حقيقي لكافة الحساسيات الوطنية، حول المرامي  و الوظائف و الاختيارات الأساسية للمدرسة المغربية.

تعثرات البرنامج الإستعجالي :

بعدما استنفذ الميثاق الوطني للتربية و التكوين لكل أغراضه، تمت بلورة و إعداد وتنزيل البرنامج الإستعجالى 2009/2012 ، الذي اعتبر من طرف المسؤولين عن القرار التربوي حينئذ، كنفس جديد للإصلاح، حيث خصصت له اعتمادات مهمة تقدر ب41 مليار درهم، أي بزيادة تقدر ب 33  % عما كان يخصص سابقا لميزانية وزارة التربية الوطنية.

 على أنه و على الرغم  مما تحقق من نتائج ملموسة في بعض المجالات كتعميم التعليم و العرض المدرسي ( تحسن في نسب التمدرس، تأهيل و إصلاح مجموعة من المؤسسات التعليمية، توسيع الاستفادة من عمليات الدعم الاجتماعي، استعمال تكنولوجيا الإعلام و التواصل...)، و بالرغم كذلك من أهمية بعض المقاربات المعتمدة في تنزيله كالمقاربة بالمشروع و مقاربة التدبير بالنتائج ، فالأهداف المحددة لم تكن مركزة بالشكل المطلوب ، كما غابت مسألة تحديد الأولويات، حيث تم فتح مجموعة من الأوراش في وقت واحد ( 26 مشروع)، مما أدى إلى تشتت المجهودات و تبديد الموارد المالية و البشرية و تضييع الجهود والطاقات.

وعلى هذا الأساس، فالبرنامج الإستعجالي كان بدوره جوابا تقنيا صرفا حيث لم يجسد الجواب التربوي والمجتمعي المنتظر على المعضلات و الاشكاليات الأفقية للمنظومة التربوية المتمثلة في ترسيخ ممارسة الحكامة الجيدة و تحسين جودة التعليم و الإرتقاء بوظائف المدرسة المغربية و أدوارها . كما أنه افتقد للرؤية الإستراتيجية و لإشراك  وتعبئة وانخراط كافة الفاعلين و المعنيين بالشأن التعليمي في صناعة القرار التربوي. بالإضافة إلى أن ثقافة التقييم و التتبع والقيادة و آليات المحاسبة و المساءلة كانت غائبة في تنزيله.

 

3 - بعض المداخل الأساسية للإصلاح التربوي المنشود.

إن مكمن الخلل في الإصلاحات  المتعاقبة على المنظومة التربوية يتجسد في اعتقادنا  في كونها لم تصل بعد إلى التلميذ باعتباره محور العملية التربوية و المستهدف الأول والأساسي من العملية الإصلاحية ، بقدر ما كانت تحوم حول المعضلات التربوية الكبرى دون ملامسة جوهر وكنه الإشكاليات الجوهرية للمنظومة التربوية .

و على هذا الأساس، يستوجب من السلطات التربوية مراجعة الإستراتيجيات و المخططات التربوية المعتمدة،  وكذا الآليات و الوسائل و المقاربات الإصلاحية، من خلال اعتماد سياسة تربوية متعددة الأبعاد و المستويات تستدعي استحضار كافة العوامل و الأسباب المرتبطة بأزمة النظام التعليمي (العوامل الذاتية و الموضوعية...) . على اعتبار أنه لا يمكن إصلاح المنظومة التربوية بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي و الاقتصادي الراهن، ودون الأخذ بعين الاعتبار بعلاقة وتأثير باقي السياسات القطاعية الأخرى على قطاع التربية و التعليم (نهج الالتقائية في التدبير) .

وعليه، فإن نجاح الإصلاح التربوي المنشود مرتبط بالأساس، بإعطاء الأولوية للحلول التربوية و البيداغوجية لمعالجة اختلالات المنظومة التربوية عبر استبعاد منطق المعالجة التقنية الصرفة للإشكاليات التربوية، وتجاوز المقاربة الكمية  إلى ما هو نوعي، من خلال التركيز على المستهدف الأساسي من الإصلاح (التلميذ/ة ) .و كذا تجديد المحتويات و المضامين و تحديث البرامج و المناهج الدراسية ، ومراجعة المقاربات التدبيرية المعتمدة حاليا في تسيير الشأن التربوي.

ولن يتأتى ذلك، إلا بممارسة الحكامة الجيدة في تدبير المنظومة التربوية، عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحرص على ترسيخ مبادئ الجودة والشفافية وتكافؤ الفرص في الاستفادة من الخدمات التربوية ؛ وكذا إعمال المقاربة التعاقدية والتدبير بالنتائج من أجل تخليق وشفافية التدبير المالي و المادي.

 بالإضافة إلى ضرورة العمل على تثمين العنصر البشري (نساء ورجال التعليم)، عبر إعادة الاعتبار له و تحفيزه ماديا و معنويا . وكذا تفعيل المقاربة التشاركية و إنجاز تعبئة مجتمعية شاملة حول الإصلاح التربوي، عن طريق إعداد وتنفيذ خطة تواصلية محكمة قصد ضمان تعبئة و انخراط  ومساهمة كافة الفاعلين و المتدخلين و المعنيين (تلاميذ، أساتذة، إدارة تربوية،مدبرون،مسئولون، أطر تربوية، مفتشون، نقابات، جمعيات المجتمع المدني...) في المجهود الإصلاحي، في أفق إعادة الثقة إلى المدرسة المغربية و إنجاح الإصلاح التربوي المنشود، باعتباره المدخل الأساسي لربح الرهان التنموي لبلادنا.

 

عبد الغفور العلام 

مفتش التخطيط التربوي

03‏/12‏/2013

التواصل في فضاء المؤسسة التربوية

 


التواصل في فضاء المؤسسة التربوية

محمد الفتحي

أصبح التواصل من القضايا التي تحتل صدارة اهتمام الحقل الإعلامي والتربوي والفني والثقافي، يعبر عن هذا الانشغال المتزايد غزارة الحديث والانتاجات والدراسات في هذا الميدان، لهذه الأهمية ارتباط وثيق بالثورة الهائلة في مجال تطور وسائل وتقنيات الاتصال والتواصل، وللوضعية الجديدة التي افرزها نظام العولمة حيث صار التوجه نحو إلغاء الحواجز والإجراءات الحمائية· ومع ذلك يثار حول الموضوع جدل عميق تتعدد حوله الرؤى والاستنتاجات، فبينما يعتبر البعض العالم بمثابة قرية صغيرة قد تقلصت رقعته الجغرافية بفضل سهولة الاتصال، فانه على النقيض من ذلك تبرز هواجس تعذر التواصل سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، لهيمنة النزعة الذاتية والانغماس في ما هو يومي، ولتعقيد اشكالية الحوار الثقافي والحضاري· ولعل مختلف تطورات المحيط السوسيو ثقافي والاقتصادي وتحديات التجديد التربوي تحاصر المؤسسة التعليمية بمجموعة من الاسئلة من قبيل: أي وضع لهذه المؤسسة في ظل مختلف المستجدات؟ كيف تنتظم فيها العلاقات؟ أي دور للتواصل من أجل انخراطها الايجابي في أوراش الاصلاح؟ ما طبيعة التحديات التي تواجهها المؤسسة التربوية اليوم؟ الا يعود الكثير منها الى مسألة التواصل، أليس التواصل احدى مشكلاتها؟ الى اي حد يمكن اعتباره المدخل الرئيسي لتذليل مجموعة من الصعوبات؟ والى أي مدى هو أساس انجاح المشروع التربوي لهذه المؤسسة؟

اذا كان عالم المال والاقتصاد يعرف تطورات متنوعة في اطار العولمة مما حتم على المقاولة التأهيل والتطوير لتقوية القدرة التنافسية فأصبحت الجودة والمردودية والهيكلة والتواصل، من أهم انشغالات المقاولة الحديثة، تغيرت معها طريقة الاشتغال والتسيير ومقومات الخطاب، واصبح موضوع التواصل والإعلام من الاهتمامات الاساسية ومؤشرا من مؤشرات حسن التدبير، فإن المؤسسة التعليمية تعرف بدورها خلال العقود الأخيرة تطورات عديدة لأسباب خارجية تتجلى في العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولتطور المنظومة التربوية، وهي الآن تلج آفاقا جديدة في ظل المستجدات التربوية والتدبيرية حيث تبرز ضرورة تجديد وظائفها وعلاقاتها الداخلية وتلك التي تربطها بالمحيط الخارجي· في هذا النطاق يبرز الاتصال والتواصل كشرط اساسي لتحقيق الأهداف المنشودة ويحمل مفهوم الفضاء دلالات وأبعاد جديدة·

نعم ان كانت المدرسة مؤسسة عمومية تؤدي خدمات تربوية وفق التشريعات المسطرة في هذا المجال، وذلك في اطار فضاء مادي، فان المفهوم الجديد للحياة المدرسية وتطور اساليب تدبير شأنها المادي والمالي والاداري والتربوي· وانطلاقا من مجموعة من المستجدات التربوية، وترسيخ ضرورة انفتاحها على المحيط، اصبح هذا الفضاء مجالا تربويا مفتوحا حيث لم يعد تسيير المؤسسة من مسؤولية الادارة فقط بل صار شأنا جماعيا يساهم في تدبيره وصيانته وتنشيطه عدة أطراف خاصة جمعيات الآباء والجماعات المحلية والمجتمع المدني، كما أنه فضاء من المفترض تفاعله ايجابيا مع المحيط السوسيو ثقافي لتكون المدرسة حقا مساهمة في التنمية وتعمل في الآن ذاته على الاستفادة من ثمراتها·

إن فضاءها فضاء حي تنتعش فيه مجموعة من العلاقات بحمولاتها التربوية والاجتماعية والثقافية والنفسية مما يجعله ايضا فضاء نفسيا واجتماعيا وتربويا·

مما يحتم النظر الى التواصل في ظل هذا المفهوم الجديد للفضاء كظاهرة معقدة ومتشابكة وليس مجرد نقل للمعلومات والأخبار وفق نموذج مرسل - متلق- ذلك أن هذا التصور الخطي للعملية التواصلية يجعلها تسير في اتجاه واحد وتنطلق من فرضية اساسها كون احد الطرفين يبت الرسالة والأخر يستقبلها في حين يحمل التواصل التربوي ابعادا متنوعة، فالمرسل ملزم بمراعاة تزامن التبادل خلال هذه العملية، خصوصا وقد اصبحت المناهج الجديدة تنقل العملية التربوية من بعدها التعليمي، حيث محورية المدرس الى وضع يصبح المتلقي محور العملية·

فيصبح التواصل في هذا الإطارعبارة عن تدخل بواسطة جملة من الوسائل منظمة في اطار نسق تعبيري معين يهدف حل مشكلة مشتركة تفرضها وضعية محددة وذلك في سياق خاص فالفضاء بكل حمولاته وابعاده يصير فاعلا حقيقيا في العملية التواصلية وعرضة لديناميتها·

التواصل وتجديد وظائف المدرسة

تعرف المنظومة التربوية تحولات عميقة تربط بين الإصلاح التربوي والإداري وتحسين اساليب التدبير بتحديث الوسائل وطرائف العمل وتطوير كفايات أطر الادارة التربوية·

إذ بالاضافة الى التكوين والخبرة والمؤهلات الذاتية، فإن القدرات التواصلية من المقتضيات الاساسية لإنجاز المهام المنوطة بالادارة التربوية في المجال الاداري والتربوي والمالي، حيث أضحى الجانب الاجتماعي ركنا اساسيا من هذه المهام· باعتبار الادارة التربوية ليست جسرا لتصريف المستجدات والتعريف بها فحسب، بل هي الأداة الاساسية للتعبئة والتحفيز للانخراط فيها عبر اسلوب تواصلي محفز، فان كان تحقيق الاصلاح رهينا بشروط مادية ومالية فإن الجوانب الاجتماعية والنفسية والعلاقات الانسانية شرط يحتل الاولوية في هذا النطاق·

انطلاقا من مختلف المستجدات، فإن وظائف المدرسة بدورها عرضة للتحديث، موازاة لذلك تتطور مهام اطر الادارة التربوية·

فإن كان من مهام الناظر والحارس العام المساهمة في تدبير مجموعة من الاشغال الادارية والتربوية، وبلورة مشروع المؤسسة، فان من مهامه ايضا المساهمة الفعالة في خلق التواصل مع كل الفاعلين في اطار ترسيخ المفهوم الجديد لوظائف المؤسسة·

في هذا الإطار فإن المربي حسب الميثاق الوطني للتربية والتكوين يقف من المتعلمين موقفا قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعلمية، وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي واستيعاب القيم الدينية والمجتمعية·

كما يتم الحرص على أن تكون هذه المدرسة الجديدة· مفعمة بالحياة، بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي الى اعتماد التعليم الذاتي، والقدرة علي الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي·

التواصل والمفهوم الجديد للحياة المدرسية

لم تعد الأنشطة الثقافية والاجتماعية والفنية بالمؤسسة التعليمية أنشطة تكميلية موازية، بل صارت في اطار المستجدات التربوية، القلب النابض لهذه المؤسسة، مما اعطى للحياة المدرسية بعدا جديدا باعتبارها مناخا وظيفيا في مكونات العمل المدرسي·· وتتشكل هذه الحياة من مجموع العوامل الزمانية والمكانية والتنظيمية والعلائقية، والتواصلية والثقافية والتنشيطية·

التواصل عنصر اساسي لتفعيل هذا المفهوم الذي يجعل بين التعبئة والتحسيس والتحفيز والاشعاع والتواصل، داخل فضاء هو مجال للتعايش والتضامن والتسامح واحترام الحقوق بعيدا عن كل اشكال التوتر والعنف·

التواصل اساس التدبيرالجديد للمؤسسة:

في اطار تفعيل سياسة اللامركزية واللاتمركز تضطلع المؤسسة التعليمية بمهام تجديد اساليب ادارتها، فإرساء مجالس التدبير وفسح المجال أمامها للابتكار والاجتهاد على مستوى المشروع التربوي، وتنمية الموارد وخلق فرص المبادرة، اصبحت مطالبة بان تكون: مفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في صلب المدرسة، والخروج اليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نهج علاقات جديدة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي·

المؤسسة التربوية وتعدد الشركاء

تتقاسم المدرسة الجديدة المسؤولية التربوية مع الاسرة، إذ على الاباء والأولياء الوعي بأن التربية ليست وقفا على المدرسة وحدها وبأن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى وفق ما نص عليه الميثاق الوطني، الذي يضع مهاما كبرى على كل الفاعلين في الحقل التربوي، وذلك بالتركيز على مفهوم الشراكة، واذا كان نجاح المشروع التربوي رهينا بمدى اشراك ومساهمة مختلف الاطراف فإن المؤسسة صارت مطالبة بالتدبير الشفاف لمواردها وشؤونها بإشراك فعلي لشركائها عبر الحوار والتشاور والتواصل البناء·

وبالاضافة الى الوظائف التربوية والمعرفية تناط بها ايضا وظائف اقتصادية بالانفتاح على المحيط وبصفة خاصة على قطاع المقاولة والتكوين المهني والتعليم العالي والانفتاح على عالم الشغل والرياضة والبحث العلمي والتقني لتتمكن من المساهمة في التنمية الاقتصادية، وتستفيد من ثمراتها·

تعرف المنظومة التربوية تطورات مهمة، حيث يحظى هذا القطاع الحيوي بأهمية خاصة كإحدى الأولويات الوطنية الكبرى وباعتباره دعامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، حيث حققت أوراش الاصلاح خطوات مهمة سواء على مستوى البرامج والمناهج وتفعيل الحياة المدرسية وتطوير تدبير الموارد البشرية أو على مستوى نمط التدبير، فاحتل مبدأ الجودة صدارة الاهتمام بعد تحقيق مؤشرات مهمة في ما يخص تعميم التمدرس، بالاضافة إلى تفعيل سياسة اللامركز واللاتمركز ونهج الشراكة والتعاون، فبرزت مفاهيم جديدة من قبيل المدرسة الجديدة، التخطيط الاستراتيجي، والتدبير التشاركي والانفتاح على المحيط وبرز التواصل كأحد الشروط الأساسية لتمكن المؤسسة التربوية من أداء المهام المنوطة بها وجعلها في صلب مختلف أوراش الإصلاح·

وبالإضافة الى الوظائف التربوية والمعرفية تناط بها ايضا وظائف اقتصادية بالانفتاح على المحيط وبصفة خاصة على قطاع المقاولة والتكوين المهني والتعليم العالي والانفتاح على عالم الشغل والرياضة والبحث العلمي والتقني لتتمكن من المساهمة في التنمية الاقتصادية، وتستفيد من ثمراتها·

محمد الفتحي: رئيس مصلحة الموارد البشرية والاتصال باكاديمية جهة فاس – بولمان

02‏/12‏/2013