مدرسة الشريف الإدريسي الابتدائية بطنجة

فضاء الأستاذ صفحة من الصفحات الإلكترونية لمدرسة الشريف الإدريسي الابتدائية العمومية الكائنة بمقاطعة بني مكادة بمدينة طنجة

07‏/04‏/2015

عمل التلميذ خارج القسم بين تيسير الإنجاز وحسن الاستثمار

طبيعة عمل التلميذ خارج القسم
        يقوم التلاميذ خارج قاعات الدراسة بأعمال كثيرة و نشاطات متنوعة لا تقبل االحصر، لكن يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
           1 ــ أعمال حياتية مختلفة لا تنتظمها أطر محددة يمارسها التلاميذ في نطاق حياتهم العادية، لا علاقة لها بالدراسة والحياة المدرسية.
           2 ــ أعمال جماعية أو فردية تلقائية أو منظمة يمارسونها في إطار نشاطات تربوية موازية قد لا تكون ذات علاقة مباشرة بنشاطهم التعليمي في المعهد والمدرسة، ولكنها تقدم دعما قويا للعمليــة التربوية وتساعد على تهذيــب ميول المتعلمين وتنمية ملكاتهـــم وتحسين كفاءاتهم، ويمكن للمربيــن رعايتها والمساهمة في إثرائهـا، والاستفادة منها لدعم جهودهم التربويــة والتعليميــة: مثل المطالعة وريادة المكتبــات، ومثل الممارسات الفنية والتقنيــة في إطار نشاطات النوادي المدرسية والجمعياتية، الثقافية منها والشبابية  الرياضية...الخ.
           3- أعمـــال تعليمية متينة الصلة بالـــدروس وبالنشــاط التعليمي في القسم تمهيدا وتحضيرا أو تكميلا وتطبيقا لما تلقاه التلاميذ أو سوف يتلقونه في قاعة الدرس.
       ولئن كان النوع الأول مستعصيا على الحصر، لا يعني المربين أمــره، إذ لا سلطة لهم عليه ولا يملكون القدرة على التدخـــل فيه لغاية تنظيمه، فإن النوع الثاني حري باهتمام البحوث والدراسات التربوية، وجدير بأن يكون موضوع ملتقيات و ندوات تعنى بدراسته، وتحديد سبــل تنظيمه وإثرائـــه، وكيفية توجيهه ليكون في خدمة العمليـة التربوية. ولكنه على الرغم من أهميته تربويا فهو ليس موضوع بحثنا هذا الذي ينبغي أن ينصب الاهتمام فيه على النوع الثالث من الأعمال التي يمارسها التلاميذ خارج القسم، وهي الأعمال التي يكلفون بها من قبل أساتذتهم لغاية التمهيد لدرس بعينه أو تكميله.
       من هذا المنطلــق تصبح عبارة »عمـل التلميذ خارج القسم« مصطلحــا تربويا محدد الدلالة يطلق على جملة الأعمال ذات المضامين التعليمية التي يمارسها التلاميذ خارج قاعات الدراسة تكميلا أو تمهيدا لــدرس أو مجموعة من الدروس التي أنجــزوها أو سوف ينجزونها في الفصل، وهو نشاط يمكن حصره في نوعين رئيسيين:
           1 ـ أعمال تمهيدية سابقة عن الدرس يمارسها التلاميذ بتكليف مسبق من أستاذهم بشكل صريح أو ضمني، وتنجز تلك الأعمال في أحد إطارين:
              أ ) في إطار عمل تحضيري عادي يقوم به التلاميذ تلقائيـا بحكم العادة أو بتكليف صريح من الأستاذ وهي أعمال يحتاج إليها على وجه الخصوص في المواد الإنسانية اللغوية منها والاجتماعية والفكرية مثل حاجة الدرس إلى قراءة التلاميذ نص الاستثمار والاطلاع عليه مسبقا و محاولة فهمه فهما أوليا و الاستفادة المبدئية من جهازه البيداغوجي.
              ب ) في إطار أعمال تمهيدية منظمة لا يمارسها التلاميذ من تلقاء أنفسهم و إنما تكون بتكليف من الأستاذ يوجههم إليها بواسطة أسئلة محددة ترسم لهم ملامح العمل المطلوب منهم إنجازه قبل الدرس إما في شكل بحث مسبق يجيبون فيه عن أسئلة محددة و إما في صورة تكوين ملف لدراسة ظاهرة طبيعية أو اجتماعية أو تاريخية ...الخ.
         2 ـ أعمال تطبيقية لاحقة قد تكون في شكل تمارين منزلية وقد تكون في شكل أعمال تطبيقية تساعد التلاميذ على ممارسة ما درسوه في القسم و تطبيقه فعليا في الواقع العملي.

مدى الحاجة لعمل التلميذ خارج القسم
      غيرت التربية الحديثة طبيعة العلاقة بين المعلم والمتعلم فارتقت بها من مستوى العلاقة العمودية السلطوية التي تربط بين باث ومتقبل، بين مالك المعرفة وطالبها إلى مستوى علاقة أفقيـة بين منشــط رشيــد وعناصــر نشيطـة تتدفــق حيوية وتمتلـك من القــدرات والملكــات ومن المعطيــات والمكتسبات التي لا تحتـاج إلى معلـم وإنما تحتـاج إلى موجه يمتلك القــدرة على تنظيم تلك الإمكانيات و تنشيط تلك الملكات والقدرات واستفزازها لتعبر عن وجودها. وكذلك تحولت مهمة المربي إلى ضرب من تنظيم نشاط المتعلمين ، وتنمية ملكاتهم و تدريبهم على المشاركة الفاعلة في تسيير الدرس و إنجاز العملية التربوية وهي مهمة تقتضي أن يتوفــر للمتعلمين حد أدنى من المعطيات ينطلقـون منها ويبنـون نشاطهم الذهني عليها، وهي معطيات قدتكون نوعا من المكتسبات و الخبرات السابقة يستفز الأستاذ أذهـان التلاميـذ لاستعادتها لغاية تنظيمـها و إثرائها و تعميقها مثلما هو الحال مع كثيـر من المواد الاجتماعــية و قد تكـون هذه المعطيــات ضروبــا مـن المعينات والموضحـات السمعيـة أو البصرية أو السمعيـة البصريـة أو النصية الموثقة يوفرها الأستاذ و يساعــد التلاميــذ على حسن استثمــار و استنتاج معلومات الدرس من خلالها، فإن لم يكن هذا و لا ذاك فقد يلتجئ الأستاذ إلى تكليف التلاميذ ببحث مسبق أو بتكويـن ملفـات فيكـون عمل التلميذ خـارج القسـم عبـارة عن ضرب من المعينـات يوفرها التلاميذ بأنفسهم لتكون لهم بمثابة التمهيد و العمل التحضيري الذي يوفر لهم الحد الضروري من المعطيـات اللازمة لمشاركتهم في معالجة قضايا الدرس ومسائله، فكرية كانت أو علمية أو اجتماعية أو لغوية لسانية .
        كذلك قد لا يستطيع التلاميذ استيعـاب كل المعلومات المقـررة لهم في درس ما بسبب ضيق الوقت، فتلميذ المدرسة التونسية ينشط داخل مجموعة من المتعلمين لا تقل عن الثلاثين فردا إلا في القليل النادر إذ غالبــا ما يكون عدد تلاميذ الفصل الواحــد متراوحا بين الثلاثيــن و الأربعين تلميذا ، و من ثم فإذا استثنينا الدروس التطبيقية التي يقسـم فيها تلاميــذ الفصل إلى فرق و مجموعات صغيرة تمكن كل واحد منهم من ممارسة التجربة العلمية أو مباشرة العمــل التطبيقي فعلا. إذا استثنينا ذلك واعتبرنا عدد تلاميذ الفصل خمسة وثلاثين فقط وجدنا أن نصيب تلميذنا من المباشرة الفعلية و المشاركة العملية في النشاط والتعبيــر الذاتي عن وجوده والإفصاح عن خواطره وتصوراتــه ومواقفه هو دائما على غاية من المحدودية مهما اعتمد المدرسون من الطرق النشيطة إذ يكون حظ التلميذ الواحد من النشــاط الشخصــي و الممارسة الفردية المباشرة مساويا لنسبة الزمن الذي يقضيه في قاعة الدرس مقســوما على عـدد تلاميذ الفصل (50 دقيقة مقسومة على 35 تلميذا Ü 50/35 =1.42  ) هـذا إذا كان الأستاذ عــادلا في توزيع النشاط و المشاركة بين تلاميذه و حرص على تنشيط جميعهم و ضمان مشاركة الخامل والنشيط على حد السواء. و إذا تجنب الإهدارات ووفق إلى استثمار الوقت المخصص للدرس كاملا  دون أية إهدارات و أية إضاعة. على هذا الأساس تكون بعض دروسنا المقــررة في برامجنــا تحتاج إلى تكليف التلاميـذ بعمل تمهيـدي مسبــق و تكون بعض موادنا تحتاج إلى تكثيف التمارين المنزلية و تكليف التلاميذ بأعمال تكميلية لاحقــة يمارسونها خارج القسم. و من هذا المنطلـق تكون الحاجة إلى تكليـف التلاميذ بأعمال خـــارج القســم من الحاجات التربويـة الحيويـة التي ينبغي أن يكون لها نصيبها في البحــوث و الدراسات التربوية تنظيــرا و تطبيقا و ضبطا للمقاييس و القواعد التقنية اللازمة لتنظيم عمل التلميذ خارج القسـم و ضمان حسن استثماره .

تنظيــم عمل التلميذ خارج القســـم
        لكي يكون المربي قادرا على تنظيم عمل تلاميذه خارج القسـم ينبغي أن يكون مستوعبا الخصوصيـات المميزة لمادة تدريسه مدركا طبيعة العمــل الذي يقوم به التلاميــذ خارج القسم واعيــا بالأهـداف المراد تحقيقهـا من خلاله متصورا الحدود الممكن للتلاميـذ بلوغها في إنجاز ما كلفهــم به من عمل مستحضرا جملـة الصعوبات التـي قد تعتــرض سبيلهم و المحاذيـر التي تكتنف نشاطهم .
       أما استيعابه الخصوصيات المميزة لمادة تدريسه فلأن طريقة تنظيم عمل التلاميذ خارج القسم والأساليب المتبعة في استثماره تختلف من مادة دراسية إلى أخرى، فليس تنظيم ما يكلف به التلاميـذ في المواد العلمية هو بنفس الطريقة التي ينظـم بها ما يكلفون به في المواد اللغوية واللسانية، وليس هذا و لا ذاك ينظم بنفس الكيفية التي تنظم بها تكاليف المواد الاجتماعية بل إن الطرق المتبعة في هذه المواد الاجتماعية نفسها لتختلــف اختلافا جذريا رغم ما بينها من أوجه التشابه ووشائج القربى .
        ومن ثم فمن لم لم يستوعب الخصوصيات المميزة لمادة تدريسه يتعــذر عليه أن يكون موفقا في تنظيم أعمال تلاميذه خارج القسم، وقل مثل ذلك في قدرته على حسن استثمارها. أما إدراكه طبيعة العمل الذي يقوم به تلاميذه خارج القسم فلأن تنظيم الأعمال التمهيدية المسبقة يختلف جذريا عن تنظيم الأعمال التطبيقية اللاحقة ، ولأن استثمار تلك لا يتم بنفس الأسلوب الذي تستثمر به هذه .
         وأما وعيه بالأهداف المراد تحقيقها من عمل التلميذ خارج القسم واستحضار الأبعاد المعرفيـة والتربوية الواجب مراعاتهـا والحدود الواجب الاكتفـاء بها و الوقـوف عندها فلكي لا يكون تكليف التلاميذ بعمـل خارج القسم مجرد وسيلة ضغـط لحملهم على الاهتمـام بالمـادة و لا لمجـــرد الجـري على نسـق ما هو معمـول به في مــواد أخــرى قد تختلـف في طبيعتهـا ومناهجها و طرق تدريسها عن مادة تدريسه. ثم لأن الأهداف المرادة من الأعمال التمهيدية المسبقة تختلف عن الأهداف المرادة من التمارين المنزلية و الأعمال التطبيقية الاحقة.
         وعلى العموم فلا يتسـع المجـال في هذا البحث القصيـر لتفصيـل الأهـداف المــرادة من عمل التلميذ خارج القسم والخاصة بكل مادة ولا لاستعراض أهداف الأعمال التحضيرية والتمهيدية وأهداف الأعمال التطبيقية والتمارين المنزلية كل على حدة مما يقتضي من الإطالة و الإسهاب في استعراض الجزئيات  والتفاصيل الدقيقة مما لا يتفق مع طبيعة هذا العرض المحدود في مضمونه و في الوقت المخصص لإلقائه.
         لذلك نكتفي بالإشارة إلى جملة من الأهـداف العامة و المشتركة بين مختلــف المواد الدراسية و بين مختلف أنواع عمل التلميذ خارج القسم وهي:
             1 ـ إرساء علاقة أفقية متوازنة بين المربي و تلاميذه
             2 ـ تنشيط ملكات الإبداع و حب الاكتشاف لدى المتعلمين
             3ـ تنمية شعورهم بالمسؤولية و الرغبة في المشاركة الإيجابية
            4 ـ تحسيس المتعلم بدوره في الجماعة و بقيمة جهده الشخصي وأهمية مشاركته في الجهد الجماعي
            5 ــ تربيته على حب المبادرة و التغلب على مشاعر الخشية و التردد والخوف من الخطأ
            6 ــ مساعدة التلاميذ على ملاحظة الظواهر ملاحظة فاحصة تفضي بهم إلى وصف الظاهـرة أو الحـدث وصفا تصوريا يبـرز مختلـف الملامح و الخصوصيــات المميـزة ووصفـا تفسيريا يحلل تلك الملامح و يعللها بعللها الطبيعية و أسبابها المؤثرة .
            7 ــ تعويدهـم عل الاستعداد المسبـق و الجاد لما ينجزونـه من أعمــال وترغيبهــم في تجنب العشوائية و الارتجال حتى يضمنوا لأعمالهم و نشاطاتهم حظا أوفر من الجدوى .
            8 ـ تنمية قدرتهم على الترشد الذاتي و اكتساب المعارف بأنفسهم .
            9 ـ مساعدة التلاميذ على توفير ضروب من المعينات التعويضية الداعمة
           10 ـ حفزهم على امتلاك الحد الضروري من المكتسبات اللازمة لضمان مشاركة فاعلة
           11  ـ إتاحة الفرصة لهم للممارسة الذاتية المباشرة
           12 ـ المساعدة على ترسيخ المعلومات من خــلال معايشتها في أنسقتها الطبيعيـــــة وسياقاتها الموضوعية 
            أما استحضار جملة المصاعب التي قد تعترض تلاميذه في إنجاز ما كلفهم به من عمل خارج القسم، و تصوره جملة المحاذير التي تكتنف نشاطهم خارج قاعات الدرس فلأن ذلك من الشروط الضرورية التي تتوقف عليها سلامة تنظيم هذا العمل و لأنه يتعذر في غيابه ضبط أية قواعد منهجية و أية تقنيات بيداغوجيــة يمكن التزامها، ويمتنع تحديد أية شـروط يمكن تعريف المربين بهــا وحثهــم على مراعاتها والحــرص على توفير الحد الضــروري منها. وإنها لصعوبــات كثيرة متنوعــة تلك التي تعترض سبيل التلاميذ في مباشرة ما كلفوا به خارج القسم فتعيقهم عن الإنجاز أو تقلل من جدوى ما بذلوا أو يبذلونه من جهد، أو تحيد بعملهم عن أهدافه التربوية  المطلوبة حيادا كليا يفضي به وبهم إلى نتائج مناقضة لما كان ينتظره منهم أستاذهم عندما كلفهم بما كلفهم به من عمل خارج القسم .
            لذلك لا بد أن يكون تنظيم عمل التلميذ خارج القسم منصرفا بالأساس إلى حصر مواطن الصعوبات و رصد المحاذير وتوفير الوسائل والشروط الكفيلة بضملن إقدار التلاميذ على تجاوز ما يعترضهم من صعوبات و على التوقي من المحاذير، و يكون ذلك بما يلي:
             1 ـ مراعاة صعوبات الأسرة و الوسط وهي صعوبات تختلف في حدتها وجديتها من جهة إلى أخرى و من وسط إلى آخر تبعا لبعض التمايز و الاختلاف في المستوى الثقافي والحضاري الذي عليه أفراد مجتمعنا و الغالب على أوساطنا العائلية ومحيطنــا الاجتماعي، وبحكم هذا الاختــلاف يكون من هذه الصعوبــات ما هو عام مشتــرك بين الفتيان و الفتيــات و منها ما هو خاص بالتلميذات دون التلاميذ الذكور .
            من ذلك مثلا أن بعض الصعوبات يكون مصدره الأسرة التي تحدد للبنات مجالات التحرك و الخروج ، أو التي تثقــل كاهل البنـت بمشاركة منزلية واسعـة تستغـرق كل أوقـات فراغهـا و لا تترك وقتا لإنجاز ما كلفت به من عمل خارج القسم، و قد تطال مثل هذه المشاركة الفتيان أيضا و خصوصا في الأوساط الريفية و الحرفية، إضافة إلى أن هناك أســــــرا لا ترى عمل التلميذ خارج القسم إلا قـراءة و مطالعـة وحفظا وكل ما سوى ذلك هو ضرب من العبــث الطفولي الذي ينبغي أن يزجر التلاميذ عنه .
          ومن الصعوبات ما قد يكون مصدره الوسط الاجتماعي الذي لا يجد التلاميذ لديه المساعدة المنتظــرة لتسهيل مهمتهــم في إنجاز عملهم خارج القسم على وجه سليم إما لغيـــاب الأريحية وعدم توفر الرغبة في المساعــدة وإما لعدم امتــلاك المعلومات المطلوبة لدى من يظــن فيه معرفتها فقد يقصد التلميذ مؤسسة ما فلا يجد بغيتــه لدى إطاراتها بل قد يغالطه بعضهم فيجيبه بما يعلم أنه خطأ، سترا لجهله .
           2 ـ مراعاة الصعوبات المرجعية المتعلقة بالمصادر التي يستمد منها التلاميذ مادة عملهم خارج القسم و يكون ذلك بتوجيههم إلى مصادر محددة ميسورة المنـــال تجنبهم الحيرة وإهدار الوقت وتمنع عنهم الانسياق وراء الظن  والتخمين.  ويحسن أن تكون هذه المصادر عينات حية أو شهود عيان يتعامل معها التلاميذ، فتكــون لهم بمثابة المعينات تقـرب المعلومات و تيســر الاستنتاج والاكتشاف و لا تكون بديلا عن الأستاذ ولا تلغي دوره أو تضعف سلطته المعرفية. ومن ثم يتعيــن الحذر من توجيه التلاميذ إلى التماس مــادة عملهم خارج القســم من مصــــادر بشرية أو مكتوبة دقيقــة الاختصــاص و ذات سلطة معرفية حاسمة تفـــرض على المتعلمين نوعا من الثقــة بنتائـج بحثهـم يعقد مهمة الأستاذ في الفصل ويمنعه من تعديـل ما حصل لهــم من قناعات و تبسيط ما جاؤوا به من معلومات فضلا عن تصويبها إن كانت غالطة أو تكميلها إذا كانت منقوصة.
            3 ـ مراعــاة الصعوبــات المنهجية من خلال الحــرص على حصر مادة التكليـف و توجيه التلاميذ إلى ظاهرة أو ظواهر محددة يلاحظونها في إطارها الطبيعي أو في سياقهــا الموضوعي، ذلك أن البحــوث المعقــدة و المعاينات المتشعبــة تفضي بهم إلى إضاعة الكثيــر من الوقت و إهدار جهودهم سدى، إضافة إلى صعوبة استثمارها والاستفــادة منها في القسم بسبب محدودية الوقت و كثافة العدد.
           4 ـ الاحتياط للمحاذير التي قد تكتنف عمل التلاميذ خارج القسم حتى لا تكون لهذا العمل انعكاسات سلبية تقــلل من جدواه، أو تذهب بفائدته، أو تفضي به إلى نتائج غير مرغوبة مثل تعويد التلميذ الغش و تربيته على عدم الثقة بنفسه وعدم الصدق مع المسؤولين عنه، وذلك حين يتجه إلى الاعتماد على جهود بعض أهله في جمع المعطيـات المطلوبة وتوفيرهــا له من غير أن يبذل فيها جهدا، أو حين يعمد إلى كتاب مدرسي أو إلى كراس تلميذ سابق ينقل منها المعلومات نقلا حرفيا ينعدم معه الهدف من تكليفه بعمل خارج القسم.
          كذلك من المحاذير التي تجدر الإشارة إليها في هذا السيــاق ما قد يترتب على تكليــف التلاميذ بتكوين ملفات حول ظاهرة ما من عدوان على حرمة الكتب الثمينة والمجلات القيمة التي كثيرا ما تشوه وتفقد قيمتها الثقافية والعلمية بسبب قطع بعض صفحاتها التماسا لصور أو نصوص تنتزع منها لإغناء هذا الملف أو ذاك مما يكلف التلاميذ بإعداده.
      5           ـ مراعاة ما يواجهه التلاميذ من كثرة التكاليف وكثافة الواجبات المدرسية بسبب كثرة المواد التي يدرسونها مما يجسمه الجدول التالي:     n existe pas                                        
             إذا تبين المربي طبيعة عمل التلميذ خارج القسم، واستوعب الأهداف المــراد تحقيقها من خلاله وتصور الصعوبـات الممكـن قيامهـا في سبيـل إنجازه والمحاذيـر التي قد تترتــب عن تلك الصعوبات أمكنه تنظيم ما يكلف به  تلاميذه خارج القسم بمزيد من الوعي و الإحكام وأمكنــه استثمــاره بأكثر نجاعــــة بما يعينهم على حسن الاستفــادة من جهودهم بعيـــدا عن المحاذيـــر و عن النتائج السلبية، إذ يمكنه وقتذاك فقط أن يميز بين أنواع من الأعمال التي يكون الأصل فيها النشاط الفردي ولا تمــارس جماعيا إلا بصورة تلقائيــة، و بين أنواع أخرى منها تقـــوم على المشاركة الجماعية وعلى نشاط المجموعات والتعاون بين أفراد المجموعة والتكامل بين أعضاء الفريق، ولا تكون الممارسة الفردية فيها إلا تلقائية ونادرة.
          فإذا وفــق المربي إلى هذا التمييز بين أنــواع الأعمال المختلفة باختلاف طبيعتهــا، وباختلاف المواد الدراسية التي ترتبط بها، وإذا اهتدى إلى التمييز بين ما يتطلب منها نشاطا ميدانيا وبين ما يحتاج إلى التجربة العملية والممارسة التطبيقية، وبين النظري الذي يسعى إلى تحصيل مادة معرفية نظرية أو إخبارية فإنه سيهتدي دون شك إلى إحكام تنظيم كل منها بالطريقة التي تناسبــه وتستجيب للأهداف المـــرادة منه، وسوف يوفق بالتأكيد إلى حســـن استثمارها. ولتقريب التصور نستعين بالتقسيم التالي:

        1 ــ تنظيم الأعمال التحضيرية :
               نعني بالأعمال التحضيرية مختلف الأنشطة الدراسية الروتينية و العادية التي يمارسها التلاميذ يوميا أو أسبوعيا بصورة تلقائية أو بتكليف من أساتذتهم مثل تحضير الدروس من الكتب المدرسية، أوإعداد نصوص الاستثمار في المواد الاجتماعية، أوالنص المزمع شرحه و تحليله في المواد الأدبية و الفكرية ، و يمكن تنظيم هذا النوع من عمل التلميذ خارج القسم على النحو التالي :
       1 - 1      إعطاء الأولوية للنشاط الفردي بحيث يكون التكليف بمثابة فرض عين يجب على كل تلميذ مباشرته مفردا أو مع غيره و أن يكون له فيه إعداده المستقل .
        2 - 1          تدريب التلاميذ على كيفية استثمار الجهاز البيداغوجي .
        3 - 1           تعويدهم على استخدام المعاجم اللغوية و المناجد الطلابية للاستنجاد بها عند الحاجة .
        4 - 1          إعلامهم مسبقا بالنص المقرر للدرس القادم .
        5 - 1        تطعيم أسئلــة الكتاب المدرسي بأسئلة إضافيــة و يمكن استثمــار هذا النــوع من النشاط  بمراقبة العمل فرديا وفق خطة محكمة تحمــل التلاميذ على الجديــة في الإنجاز ، و بحفزهم على المشاركـــة النشيطة و الإجابة من غير رجــوع إلى ما كتبــوا منعا لاعتمادهم على مجهود غيرهم ممن قد يعتمدون على مساعدتهم من الأهل و الأصحاب .
   2 ــ تنظيم البحوث المسبقة و تكوين الملفات :
                هذا النوع من النشاط هو الأكثر استخداما في مادة العلوم الطبيعية و المـــواد الاجتماعيــة و الأدبية بل هو يكاد يكون مما تختــص به هذه المواد التي كثيرا ما تحتاج في تدريسهــا إلى إجراء تحقيقات و بحوث ميدانية، و إلى معاينة الظواهر في إطارها الطبيعي أو في سياقها العملي و الموضوعي .                                            
            هذا و يتطلب تنظيم هذا النوع من عمل التلاميذ خارج القسم و حسن استثمـــــاره مراعاة الإجراءات و التراتيب التالية :
           - 1 - 2 تحديد الدروس التي تحتاج فعلا إلى تكوين ملفات أو إلى تكليف التلاميـــــذ ببحوث ميدانية و إنجاز أعمال دراسية خارج القسم ، فما كل دروس العلوم تحتاج إلى تكويـن هذه الملفــات و لا إلى إجــراء هذه البحــوث الميدانيـة، و لا كل دروس الجغرافيــا الطبيعيــة أو الاقتصادية تحتاج إلى ذلك و لا كل دروس المواد الاجتماعية تحتاج إلى معاينات و تحقيقات ميدانية .
           - 2 -2 تحديد المضامين المعرفية التي يطالب التلاميذ بتحصيلها خارج القسم حتى تنصرف جهودهم إلى جمع ملاحظات و توفير معطيات أو تحديد مواقف و انطباعات تكون بمثابة المادة الأولية للدرس ، و لا يجوز أن تكون بديلا عنه .
       و من ثم فلا يجوز في هذه البحوث الميدانية و التكاليف المسبقة مطالبة التلاميذ بتقريـــر نتائج معرفية أو إصدار أحكام علمية أو قيمية ، و ذلك ما يحتم استبعـــاد كل الأسئلة التقريرية و يوجب الاكتفاء بالملاحظة والمعاينة لإحصاء المعطيات أو وصف الظاهرة كما هي في إطار واقعهــا الموضوعي و إبـــداء الرأي باعتبــاره انطباعــا ذاتيا و موقفا شخصيا قابــلا للتعديــل و الرجوع عنه و ليس حقيقة معرفية أو قيمية مسلمة ، أما الاستنتاجات و تقرير الحقائق فلا يجوز بحال أن تطلب خارج القسم .
      من أمثلة ذلك :
             أ ـ إذا أراد أستاذ التربية الإسلامية تكليف تلاميذه ببحث حول الطهارة و الوضوء أو حول الصلاة أو صلاة الجمعة فإن الأسئلة الرئيسية والمحورية ينبغي أن تنصب على معاينة الممارسة و إحصاء ما تقوم عليه من أقوال و أفعال، أو وصف الظاهــرة الدينية و لا يجــــوز أن يكون بين الأسئلـة ما يطااــب التلاميــذ بالتمييــز بين ما هو فرض و ما هو سنة و ما هـو مستحــب من تلك الأفعال و الأقــوال لأن ذلك من مهمــة القســم و لا يمكن دعــوة التلاميـــذ إلى تقريره قبل الدرس فتصبح المعاينة أو البحث الميداني بديلا عن الدرس .
        و في المقابل فإنه لا يمكن تكليف التلاميذ بمثل هذه البحوث الميدانية المسبقة في درس الحج أو الزكاة ، و لا في دروس العقيــدة لتعذر المعاينة الميدانيـة الحية، الأمر الذي يحمــل التلاميـــذ على الاكتفــاء بمعارف نقليــة يستخرجونهــا من الكتــب بغيــر وعي أو يأخذونهــا من أشخاص قد يمتلكــون المعلومات المعرفية و لكنهم لا يملكــون المنهجية اللازمة لتنظيمها بطريقة تيسر على التلاميذ فهمها و استيعابها .
            ب ــ  كذلك إذا كلف أستاذ الجغرافيا أو أستاذ العلوم الطبيعية تلاميذه ببحث حول أنواع التضاريس بالجهة أو حول النباتات الطبيعية فإن الأسئلــة ينبغي أن تنصــب بالأســاس على تعرف أنواع التضاريس أو أنواع النباتات الموجودة وصفا و إحصاء و استجلابا لعينات حية من النباتات و عينــات مصورة للتضــاريس . و أما الحقائق العلمية المتعلقــة باكتشــاف العوامل الطبيعية و المناخية و تعرف العلل و الأسباب فإنها يجب أن تبقى من اختصاص القسم و يكون من الخطأ علميا و بيداغوجيا مطالبة التلاميذ بتقريرها خارج القسم .
      3 - 2 توزيع الأسئلة إلى وحدات صغيرة تسند كل مجموعة منها إلى فريق من التلاميذ مع الحرص على مراعاة أحوال هؤلاء التلاميذ و أوضاعهم الأسرية و الاجتماعيـــــة حتى      لا يطالبهم بما يمتنع تحقيقه، فلا يجمع في الفوج الواحد بين بنات و أبناء إذا كانوا في وسط تحــدد فيه العائلات مجالات تحرك البنات، و لا يكلف مجموعة بنات مثلا بخروج لا تسمح به ظروفهــــن و أوساطهن الاجتماعية أو بمعاينات تتم في أوساط لا يتم فيها التعاون معهن بشكــل إيجابي مريح و لا يمتنع في هذا السياق تكليف بعض الأفــراد من البنات و البنين بالإجابة عن أسئلة محـددة تتوفـر لهم ظروف الإجابـة عنها كانتماء التلميـذ أو التلميـذة إلى أسـرة فيها صاحب تخصص في الموضوع قد يوفــر له أو لها ما لا يمكن أن يتوفــر لغيره من المعطيــات لكن على شرط أن يبقى ذلك نوعا من الاستثناء و أن يظل العمل الجماعي هو الأصل لما يضمنه من يسر المراقبة و يسر الاستثمار،  في حين تتعذر مع العمــل الفردي القائم على طريقــة كل الأسئلة لكل التلاميذ مراقبة الإنجــاز و يمتنع استثمار كل المساهمــات أو دراسة كــل الملفات ، علما بأن هذه الصعوبة من شأنها تعويــد عدد غير قليل من تلاميذنـا عدم الجدية في إنجاز ما كلفوا به أو إهمال هذه التكاليف و عدم إنجازها أصلا مما يمثل ظاهرة متفشيـة بين تلاميذنا اليوم على نطاق واسع ، و لا سبيل لعلاجها إلا بإحكام تنظيم عمل التلميذ خارج القسم و إحكام استثمار كل المساهمات وإلا كان عدم التكليف أفضل .
        4 - 2 ربط التكاليف المطلوب إنجازها من قبل التلاميذ خارج القسم بحاجاتهم الحيوية  و الحقيقية تجنبا لإغراقهم في معالجات أكاديمية لا تستهويهم ، و لا يجدون في ممارستهــــــا ما يستجيب لميولهم الفطرية و مشاغلهم الحيوية .
        5 - 2 ضمان واقعية التكاليف بأن لا تكون تكاليف خيالية مبالغة في الثقة بإمكانيــات التلاميذ و قدرتهم على الإتيان بالجديد ، فيكلفهم الأستاذ بما لا يستطيعون إنجازه و يطالبهــم بما يعسر عليهم تحصيله وهو ما يحدث كثيرا للمدرسين الحديثي العهد بالمهنة ، حيث يطمح الأستاذ إلى إثراء مكتسباته من خلال ما يأتيه به تلاميذه ، فيكون في مثل هذا الهدف خطـــر كبير على سلامة الــدرس ، و على تكويــن الأستــاذ نفسه ، و على قدرة التلاميذ على إنجاز ما كلفوا به من عمل خارج القسم .
     3 ــ  تنظيم الأعمال التطبيقية و التمارين المنزلية :
                 يمثل هذا النوع من عمل التلميذ خارج القسم ضربا من الأعمال اللاحقة التي تحتاج إليها دروس كثير من المواد فلا يمكن الاستغنــاء عنها في دروس اللغة و الرياضيـــات و التربية التقنية و الفنون الجميلة التي يتعين فيها تكليف التلاميذ بعمل خارج القسم يمارسون فيه تمارين منزلية و يباشرون أعمالا تطبيقية تدعم مكتسبــاتهم  في دروس النحــو والصرف والبلاغة والعروض وحفظ المحفوظات و غير ذلك من الأعمال التي يعرفها أهل الاختصاص وكذلك الأمر في العلوم الرياضية التي لا يمكن إقــدار التلاميذ على استيعـاب قواعدها ونظرياتها دون استناد إلى كثير من التمارين التطبيقية والفروض المنزلية التي يتعين ارتباطها بالدرس المقروء وتجب مراقبة إنجازها مراقبة فردية تفرض على كل تلميذ أن يكــون له إنجازه المستقــل المدرج في كــراس تمارينه المنزلية ولو أنجز العمــل في نطــاق المشاركة والتعاون مع الغير الذي هو من الأمور المسموح بها بل والمحبذة التي يحسن حث التلاميــذ عليها، ثم لا بد من إصلاح هذه الفروض المنزلية و التمارين التطبيقية قبل الدخول في الدرس اللاحق.  
    
      وفي الختام فإن عمل التلميذ خارج القسم يمثل مشغلا مهما من مشاغل التربية الحديثة، وهو في نفـس الوقـت من القضايـا والمجـالات التربوية التي ما تزال تنتظــر توجيـه اهتمام المربيـن والباحثيـن إليها حتى تأخذ حظهـا من التقعيـد والتقنيـن وحتى تكـون لها تقنياتهــا وتنظيماتها. وإن ملتقانا هذا الذي تنظمه التفقدية العامة للتربية لمؤشر مهم يبشر بتوجيه الاهتمام إلى هذا المجال التربوي الحيوي المهم.